الصفحة 119 من 315

و أشير هنا إلى أمرين في علم الحديث ، لهما علاقة بما نحن فيه ، أولهما موقف ابن خلدون من مسألة تقديم الجرح على التعديل ، فقال عنها: (( إلا أن المعروف عن أهل الحديث أن الجرح مقدم على التعديل ) )، و قال أيضا إن الجرح مقدم على التعديل عند الأكثرية (1) . و قوله هذا ناقص ،و غير صحيح على إطلاقه ، لأن المعتمد في علم الجرح و التعديل ، هو أنه إذا اجتمع الجرح و التعديل في راو واحد معروف و غير مجهول ، قُدم الجرح إذا كان مُفسرا ، و أما إذا كان مُبهما غير مُفسر ، قُدم التعديل على التجريح . و هناك رأي آخر ضعيف يعتمد في التقديم و التأخير على العدد ، فإذا زاد عدد المُعدلين على الجارحين قُدم التعديل ، و إذا قلّ عدد المُعدلين قُدم الجرح ، لكن هذا الرأي ضعيف و غير مُعتمد في علم الجرح و التعديل (2) .

و الأمر الثاني يخص مسألة الإجماع على صحة ما في صحيحي البخاري و مسلم ، فقال عنها ابن خلدون: إن الإجماع قد اتصل في الأمة على تلقي الصحيحين بالقبول ، و العمل بما فيهما ، و الإجماع على صحة ما فيهما (3) . و نحن لا ننكر ما للصحيحين من مكانة مرموقة بين كتب السنة النبوية ، فهما في المقدمة بلا شك ، اتبع فيهما مؤلفاهما منهجا علميا صارما متكاملا ، جمع بين الإسناد و المتن معا ، لكننا لا نوافق ابن خلدون عندما قال إن إجماع الأمة قد انعقد على قبولهما و صحة ما فيهما ، فإن رأيه هذا غير صحيح ، بدليل الشواهد الآتية:

(1) المقدمة ، ص: 245 ، 352 .

(2) محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث ، الجزائر ، دار رحاب، دت ، ص: 147 . و أصول التخريج و دراسة الأسانيد ، ص: 143 .

(3) المقدمة ، ص: 245، 353 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت