فهرس الكتاب
و ثالثا يجب أن لا ننسى أن الإمامين البخاري و مسلم لم يقولا أنهما لم يُخطآ فيما دوناه من أحاديث في صحيحيهما ، و إنما قالا إنهما دونا ما صحّ عندهما من أحاديث فقط ، و لم يدعيا العصمة و لا الصواب المطلق فيما دوناه (1) . و أما القول بأن كل ما في الصحيحين صحيح بإجماع العلماء ، فهو قول متأخر ظهر بعد وفاتهما بمدة طويلة نسبيا .
مع العلم أن الذين قالوا بصحة كل ما في الصحيحين ، لا يعني أنهم يقولون بعصمة البخاري و مسلم من الخطأ ، فهذا ليس من عقائد أهل السنة ، و هو باطل من دين الإسلام بالضرورة ، و إنما مقصودهم أنهما لم يُخطئا فيما كتباه ، لا أنهما لا يُخطئان ، فهما لم يُخطآ -حسب رأي هؤلاء- لدقة منهجهم و صرامته ،و حرصهم الشديد على تطبيقه ،و كثرة مراجعتهم و تدقيقهم لما كتباه ، لا أنهما لا يُخطئان ، مع العلم أن أي عمل بشري هو محتمل للخطأ و الصواب معا ، لكن ليس بالضرورة أن أي عمل يقوم به الإنسان لا بد أن يخطئ فيه ، فقد يُصيب و قد يُخطئ فيه ، و قد يجمع بين الخطأ و الصواب في عمل واحد . .
ثانيا: مسألة تحكم المعاش في أحوال الناس:
قال ابن خلدون عن مسألة المعاش: (( و اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش ) )؟. و المعاش عنده هو ابتغاء الرزق و السعي في تحصيله (2) .و قوله هذا هو الذي جعل الباحث محمود عبد المولى يقول عن ابن خلدون: (( يبدو لنا و كأنه رائد المادية التاريخية قبل كارل ماركس بقرون ) ) (3) . فهل ما قاله ابن خلدون صحيح ؟ .
(1) أنظر مقدمة الصحيحين .
(2) المقدمة ، ص: 90 ، 301 .
(3) محمود عبد المولى: ابن خلدون و علوم المجتمع ، ليبيا-تونس ، الدار العربية للكتاب، 1980، ص: 89 .