الصفحة 125 من 315

و الشاهد الأخير -أي الثالث- هو للشيخ يوسف القرضاوي ، فإنه عندما ذكر حديث مسلم السابق الذكر (( إن أبي و أباك في النار ) )، قال إنه يُعارض الثابت من القرآن ، من أن كل نفس بما كسبت رهينة ، و عدم تعذيب أهل الفترة ، ثم ذكر أنه توقف في هذا الحديث حتى يظهر له فيه شيء يشفي صدره ، و قال إنه وجد من تحفظ على هذا الحديث ، و هما العالمان: الأبي -لم أجده- ،و محمد السنوسي (ت895ه) (1) .

و تعقيبا على هؤلاء أقول: أولا تبين من الشواهد السابقة إن ما قالها ابن خلدون من حصول الإجماع على صحة ما في الصحيحين ، هو قول غير صحيح ، و قد اتنقدهما العلماء كما انتقدوا الكتب الحديثية الأخرى ، لكنهم شهدوا لمؤلفيهما بالأمانة و التثبت و صحة جمهور ما روياه من الأحاديث ، إلا قلة منها اتنقدوهما فيها .

و ثانيا إن وجود أحاديث قليلة غير صحيحة في صحيحي البخاري و مسلم ، لا يضر الإسلام شيئا ، فإنه اكتمل عندما توقف الوحي ، و قبل أن تظهر كتب السنة النبوية ، لقوله تعالى: (( اليوم أكملت لكم دينكم ،و أتممت عليكم نعمتي ، و رضيت لكم الإسلام دينا ) )-سورة المائدة/3- . فالإسلام يكفيه القرآن و ما صحّ من السنة النبوية ، و لا يضره وجود أحاديث قليلة غير صحيحة ، في الصحاح و السنن و المسانيد ، فهي معروفة لدي أهل العلم ، فيُتجنب استخدامها ،و لا ضير في ذلك على الإسلام ، فإن ذلك يدل على قوته و أنه حق لا ينتصر إلا بالحق ، و قد اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يُوجد كتاب معصوم إلا كتابه .

(1) القرضاوي: المرجع السابق ، ص: 97، 98 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت