و ثالثها إنه -أي ابن خلدون- لم يتخذ موقفا صحيحا من مسألة الإسناد و المتن ، فقد مال إلى التركيز على نقد المتن ، و ازدرى بالإسناد و حصره في نقد الحديث النبوي ، و أبعده عن نقد الروايات البشرية ، و هذا موقف غير صحيح ، فكان عليه أن يجمع بين نقد الإسناد و المتن معا في كل خبر ، دون تفضيل أحدهما عن الآخر ، لأنهما متكاملان لا متناقضان ، ثم تبقى بعد ذلك طبيعة الرواية هي التي تفرض على المحقق التركيز على أحدهما أو عليهما معا .
و رابعها إن نظرته للإسناد غير الصحيحة، هي التي ربما صرفته عن استخدامه في تاريخه العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ، فجاء تاريخه ناقصا لخلوه من الأسانيد التي هي توثيق للمادة التاريخية التي أوردها في تاريخه ، فبسب عدم ذكره لها -أي للأسانيد- حرمنا من إمكانية تحقيق رواياته باستخدام الأسانيد . كما أن غياب الأسانيد من الأخبار التاريخية ، يُؤدي إلى اختلاط كلام الرواة بكلام المؤلفين ،و يصبح التفريق بينهما صعبا ، و تسهل أمام المؤلف غير الأمين عملية التزوير و التحريف ، و التصرّف في الروايات كما يحلو له ، لأننا في هذه الحالة يصعب التفريق بين كلامه و كلام الرواة من جهة ، و ليست لدينا أسانيد لمعرفة مصدر تلك الروايات من جهة أخرى .
و خامسا إنه-أي ابن خلدون- وقع في أخطاء كثيرة فيما قاله عن المؤرخين المسلمين ، أولها إنه قال إن فحول المؤرخين المسلمين لم يرفضوا تُرهات الأحاديث ولا دفعوها ، و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، فإن منهم من كان ناقدا بارعا محققا ، نقد الأخبار و الأحاديث ،و رد كثيرا من الخرافات و المستحيلات ، على رأسهم: المؤرخ الناقد شمس الدين الذهبي (ت748ه) ،و الحافظ المؤرخ أبو الفدا ابن كثير (ت774ه) ، و يلحق بهؤلاء الناقد المؤرخ الخطيب البغدادي (ت463ه) ، و الناقد عبد الرحمن بن الجوزي (ت597 ه) ، و سنذكر من انتقاداتهم و تحقيقاتهم أمثلة كثيرة في موضع لاحق إن شاء الله تعالى .