و ثانيها إنه لم يدرك أهمية استخدام الإسناد في نقد الروايات التاريخية ، فاستبعده في نقدها ، و حصره في نقد الأحاديث النبوية ، و هذا موقف خطأ ، لأن نقد الإسناد مطلوب في كل الروايات ، فهو يُوصلنا إلى الرواة الذين نقلوها إلينا ،و يُعرفنا بأحوالهم و مراتبهم ، من حيث عدالتهم و ضبطهم في روايتهم للأخبار ، لذا وجدنا كثيرا من السلف يُركزون على الإسناد ،و يحثون على استخدامه ، فقال عنه صالح بن أحمد بن حنبل: (( الحديث بلا إسناد ليس بشيء ) )،و شبّه سفيان بن عُيينة الذي يُحدث بلا إسناد كالذي يصعد إلى سطح البيت بلا درجة ، بمعنى أن الإسناد هو السلم الذي يُوصل إلى المتن (1) .
و لا يغيب عنا أن هناك روايات كثيرة مكذوبة ، يصعب و قد يستحيل تحقيقها من المتن إلا من طريق الإسناد ، لأنها من صنف الروايات التاريخية الممكنة الحدوث المتعلقة بأقوال و أحوال الناس العادية اليومية ، و هذا النوع موجود أيضا في الأحاديث النبوية ، فأحاديث كثيرة حكم عليها نقاد الحديث بالوضع أو بالضعف ، مع أن متونها معانيها صحيحة ، كحديث: (( من لم يهتم بأمر المسلمين ليس منهم ) )،و حديث (( جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، و بغض من أساء إليها ) )، الحديث الأول ضعّفوه ،و الثاني قالوا إنه باطل ، بالاعتماد على نقد الإسناد (2) .
(1) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية ، حققه حمدي المدني ، المدينة المنورة ، المكتبة العلمية ، د ت ، ج 1ص: 395 .
(2) الشوكاني: الفوائد المجموعة ، حققه عبد الرحمن المعلمي ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995 ، ص: 82، 83 .