و رابعها إن قوله بأن السنة النبوية هي تكليف إنشائي ،و ليست إخبارا عن واقعة تاريخية ، هو قول غير صحيح ، لأن الأحاديث فيها الإنشاء و الأخبار ، و كثيرا ما اجتمع الأمران في حديث واحد ، و الإنشاء هو نفسه خبر و حادثة تاريخية ، فإذا وصلنا حديث يقول فيه الرسول-عليه الصلاة و السلام-: (( خذوا عني مناسككم ) )، يكون قد وصلنا قول هو نفسه خبر و حادثة تاريخية ، مفاده أن رسول الله أمرنا بذلك الفعل هذا فضلا على الرواية نفسها جاءت بصيغة الخبر التاريخي، و عليه فإن كل من الخبر و الإنشاء يدخل في دائرة الحادثة التاريخية .
و رابعا إن نظرة ابن خلدون لنقد الأخبار من خلال الإسناد كانت قاصرة ، تضمّنت أخطاء كثيرة ، أولها إنه نظر لمنهج النقد عند المحدثين من خلال الجرح و التعديل، بمعنى أنه نظر إليه من خلال نقد الإسناد فقط ، و هذه نظرة جزئية و هي خطأ ، لا تنطبق على منهج أهل الحديث الذين أقاموا منهجهم النقدي على الجمع بين نقد الإسناد و المتن معا ، و أبدعوا فيهما أيما إبداع (1) . لكن العجب من ابن خلدون ، كيف غاب عنه ذلك ؟ ! فلا ندري أكان يجهل ذلك ، أم نسيه ، أم تجاهله ؟ .
(1) سنذكر من ذلك نماذج كثيرة ، في موضع لاحق من هذا الفصل .