و قوله هذا عير صحيح في معظم جوانبه بدليل المعطيات و الشواهد الآتية ، أولها إن تفريقه بين الحادثة التاريخية و الرواية هو تفريق غير صحيح ، لأن الرواية هي نفسها حادثة تاريخية، لأنها تُخبرنا عن أفعال و أقوال و تقريرات الرسول-عليه الصلاة و السلام- ، و هي في النهاية إخبار عن حقائق صدرت عن رسول الله ، في الماضي ، و بهذا فهي حوادث تاريخية ، لا تختلف عن أي حادثة تاريخية أخرى ، و الرواية في حقيقتها إخبار عن وقائع ماضية ، و هذا هو معنى الحادثة التاريخية .
و ثانيها إن قوله بأن الرواية الشرعية تخضع لمعايير الرواية من حيث الإسناد جرحا و تعديلا ، هو قول غير صحيح ، و لا يوجد دليل عقلي و لا شرعي يخص الرواية الشرعية بذلك المعيار . و لا يوجد في علم مصطلح الحديث ما ينص على تخصيص نقد الرواية الشرعية بالإسناد فقط دون المتن ، بل الصحيح هو أن المحدثين المحققين نقدوا الأحاديث النبوية و الروايات البشرية بمنهج واحد ، جمع بين نقد الإسناد و المتن معا ، و سنذكر على ذلك أمثلة كثيرة في موضع لاحق من هذا الفصل إن شاء الله تعالى .
و ثالثها إنه لا يُوجد في السنة النبوية الصحيحة ما يتناقض مع طبائع العمران و الطبيعة ، لأن دين الإسلام ما جاء ليُناقض ذلك ، و إنما جاء ليجمع بين العقل و الفطرة و قوانين العمران و الطبيعة ، على هدى من نور الوحي ، الذي يُنير الطريق و يُبدد ظلماته ، و عليه فإن افتراض التناقض بين تلك العناصر هو افتراض خاطئ من أساسه .