الصفحة 23 من 315

ثم إنه عندما ذكر كبار المؤرخين المتقدمين ، و من جاء بعدهم ، زعم أنه لم يأت بعد هؤلاء إلا (( مقلد و بليد الطبع و العقل ، أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ، و يحتذى منه بالمثال ، و يذهل عما أحالته الأيام من الأحوال ) )، و هؤلاء جمعوا الروايات جمعا بلا تحقيق (1) . و زعمه هذا ليس صحيحا على إطلاقه ، فإنه لا يصدق على كل المؤرخين المتأخرين ، و إنما يصدق على طائفة منهم . كما أن في قوله هذا ذم و قدح ، و وصف لطائفة من كبار محققينا و مؤرخينا ، بالتقليد و البلادة ،و الجمع دون تحقيق ، و وصفه لهؤلاء بتلك الأوصاف فيه ظلم و إجحاف و طمس للحقائق ، لأننا نعلم أن في المؤرخين المتأخرين طائفة من كبار المحققين ، كانت قمة في الذكاء و الاجتهاد و التحرر ، و التحقيق و النقد ، و الجرأة في الحق ، و الزهد في الدنيا ، على رأسها: عبد الرحمن بن الجوزي، و تقي الدين بن تيمية ، و محمد بن عبد الهادي، و الذهبي، ابن قيم الجوزية ، و ابو الحجاج المزي، و ابن كثير ، و هؤلاء كلهم كانوا محقيقين محدثين مؤرخين، ماتوا كلهم قبل أن يكتب ابن خلدون مقدمته ، و كانت لهم تحقيقات و تمحيصات رائدة في النقد التاريخي ، سبقوا بها ابن خلدون في مجال نقد الأخبار ، سنذكر منها طائفة بشيء من التفصيل في مبحث لاحق نخصصه لمنهج النقد التاريخي عند المؤرخين قبل ابن خلدون ، و نقارنه مع منهجه هو ، إن شاء الله تعالى .

(1) المقدمة ، ص: 4 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت