الصفحة 24 من 315

و هنا نتساءل: لماذا أغفل ابن خلدون ذكر تلك الطائفة ؟ ، ثم إنه لم يكتف بذلك ، و إنما حمل عليها حملة شعواء ، فوصفها بالتقليد ، و بلادة الطبع و العقل ، و البعد عن التحقيق ، فهل نسيها أم تناساها ؟ ،و هل كان يجهلها أم تجاهلها ؟ ، و الأرجح إنه لم ينساها ، و لم يكن يجهلها ، لأنه ذكر بعضهم في تاريخه العبر و ديوان المبتدأ و الخبر (1) ، و هؤلاء أعلام مصنفاتهم مشهورة ، و كانت متداولة بين أهل العلم في عصر ابن خلدون ، و عليه فإنه يبدو لي إنه تناسهم و تجاهلهم ، و ألحقهم بالطائفة المقلدة البليدة عمدا ، ليُظهر لنا و ليوهمنا أن المؤرخين و المحدثين المسلمين الذين سبقوه ، كانوا بعيدين عن التحقيق التاريخي القائم على نقد المتن باستخدام قانون المطابقة و غيره . و أنهم حصروا نقدهم في الإسناد من جهة ، و أنه هو -أي ابن خلدون- صاحب المنهج النقدي التاريخي الجديد ، الذي اكتشفه و اهتدى إليه ، و أُلهم إياه إلهاما من جهة .

و سادسا إنه سبق أن ذكرنا إن ابن خلدون اتهم المؤرخين و المحدثين بعدم استخدامهم لقانون المطابقة في نقد المتون ، و أنهم ركزوا على نقد الأسانيد ، و رووا المستحيلات في مصنفاتهم ، لاعتمادهم على مجرد النقل ، و ابتعادهم عن النقد و التمحيص ، فأوقعهم ذلك و غيره ، في كثرة الأخطاء و رواية الخرافات ، فهل ما قاله يصدق على كل المؤرخين الذين سبقوه ؟ و هل صحيح أنه هو مكتشف منهج النقد التاريخي الذي عرضه في مقدمته ؟ .

(1) انظر مثلا ، ج 5 ص: 473 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت