فهرس الكتاب
و إجابة عن ذلك أورد الحقائق و الشواهد الآتية ، أولها أنه وُجدت في التاريخ الإسلامي طائفة من كبار الحفاظ المؤرخين المحققين ، لم يكن أفرادها عاجزين عن نقد الروايات التاريخية و تمحيصها ، لما كانوا يتمتعون به من علم غزير ، و قدرات علمية مبدعة ، منهم: الخطيب البغدادي، و ابن عساكر ، و ابن الجوزي ، و ابن تيمية ، و محمد بن عبد الهادي، و الذهبي، و ابن قيم الجوزية ، و أبو الحجاج المزي، و ابن كثير ، و هؤلاء لهم مصنفات تشهد لهم على مهارتهم في نقد الأخبار و تمحيصها ؛ منها: كتاب الموضوعات في الأحاديث المرفوعات ، و كتاب العلل المتناهية ، و هما لابن الجوزي ، و كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، للذهبي نقد فيه كثيرا من الروايات إسنادا و متنا (1) .
و منها أيضا كتاب المنار المنيف في الصحيح و الضعيف ، لابن قيم الجوزية (ت751ه) ، و يُعرف أيضا بعنوان آخر هو: نقد المنقول و المحك المميز بين المردود و المنقول ، و هو كتاب قيم للغاية ، خصصه مؤلفه لنقد الأحاديث و تمحيصها من خلال المتن فقط ، ردا على سؤال ورد إليه ، يقول: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع-أي المكذوب- بضابط من غير أن يُنظر في سنده ؟ ، فأجاب ابن قيم: (( هذا سؤال عظيم القدر ، ... ثم شرع في الإجابة عليه ، و وضع ضوابط و قواعد لذلك(2) ، نذكر بعضها في موضع لاحق إن شاء الله تعالى ، فجاء السؤال و الجواب ردا دامغا على اتهامات ابن خلدون ، فالسؤال فيه إشارة إلى أنه وُجد قبل أن يكتب ابن خلدون مقدمته ، من فكر في موضوع نقد الأخبار من متونها دون أسانيدها .و الكتاب هو رد علمي قاطع و مفصل ، لدور بعض المحدثين المحققين في الاهتمام بمنهج نقد المتون و التأليف فيه ، قبل أن يكتب ابن خلدون منهجه التاريخي .
(1) انظر مثلا: ج 1 ص: 430 ، ج 3 ص: 439 .
(2) المنار المنيف في الصحيح و الضعيف، حققه عبد الرحمن المعلمي، ط2 ، الرياض، دار العاصمة ، 1998، ص: 35 و ما بعدها .