و ليعلم القارئ الكريم إن النقد هو من أساسيات البحث العلمي في كل العلوم ، و قد مارسه علماء المسلمين قديما و حديثا انطلاقا من ديننا الحنيف ، فالقرآن الكريم فيه انتقادات كثيرة لليهود و النصارى و المشركين ، و فيه أيضا معاتبات و تأنيبات و انتقادات للصحابة الكرام . و فيه حث على نقد الأخبار و تمحيصها بمختلف الوسائل الممكنة ، في قوله تعالى (( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} - سورة الحجرات/6- .
و كذلك الأمر في السنة النبوية ، فقد كان رسول الله -عليه الصلاة و السلام- ينتقد أصحابه و يُقوّم سلوكياتهم عندما يراهم جانبوا الصواب . و على هذا المنهاج سار الصحابة -رضي الله عنهم - فكانت لهم ردود و انتقادات فيما بينهم ، في مختلف المسائل الفقهية و كتب فقه السلف فيها كثير من ذلك . و على منهاجهم سار السلف الصالح من بعدهم ، فمصنفاتهم في علوم الشريعة مليئة بالنقد و الردود العلمية ، من ذلك كُتب الجرح و التعديل ، فهي قامت أساسا على النقد ، لذا سمى الحافظ شمس الدين الذهبي كتابه في الجرح و التعديل: ميزان الاعتدال في نقد الرجال .
و للنقد العلمي النزيه فوائد كثيرة ، منها إنه طريق للوصول إلى الحقيقة عندما تتضارب الروايات و تختلف الآراء . و إنه وسيلة لطالب العلم يجعله يحتكم دوما إلى النصوص و الأدلة قبل النظر إلى الأشخاص . و إنه أيضا يساعد أهل العلم على الابتعاد عن التعصب المذموم ،و تقديس الشخصيات و اعتقاد العصمة فيها ؛ و الله سبحانه و تعالى يقول (( و فوق كل ذي علم عليم ) )-سورة يوسف/76-