فهرس الكتاب
و يتبين من أقوال هؤلاء النقاد المحققين أنهم ركزوا على نقد المتون انطلاقا من معرفتهم بتعدد طرق نقد الروايات الحديثية و التاريخية ، و عدم انحصارها في نقد الأسانيد . و واضح من أقوالهم أيضا أنها كانت غاية في الأهمية ، أقاموها أساسا على قانون المطابقة الذي جعله ابن خلدون أحسن المعايير و أهمها في النقد التاريخي ، فذكرنا أنهم حرصوا على ضرورة مطابقة الأخبار المروية للمنقولات ، و المعقولات ، و للمحسوسات ، و المشاهدات ، و للإجماعات ، و طبائع العمران، الأمر يثبت قطعا أنهم سبقوا ابن خلدون في تقرير و تقعيد منهج النقد التاريخي القائم على نقد المتون و الأسانيد معا ، و لم يكن هو مكتشفه .
و سابعا إننا في هذا الموضع نذكر نماذج كثيرة لطائفة من العلماء النقاد ، حققوا من خلالها روايات حديثية و تاريخية متنوعة ، نذكرها شواهد تطبيقية لممارستهم للنقد التاريخي إسنادا و متنا ، و إدراكهم لتعدد طرقه ، و لتكون أيضا ردا على ابن خلدون فيما زعمه من أن المحدثين و المؤرخين المسلمين أهملوا النقد التاريخي ،و اهتموا بنقد أسانيد الأحاديث على حساب متونها . و نذكرها-أي الشواهد - في النماذج الآنية:
أولها يخص نقد الأسانيد و المتون معا ، و يتضمن طائفة من الأمثلة المتنوعة ، منها ما ذكره الإمام مسلم (ت261ه) من أنه كانت للمحدث ابن لُهيعة أوهام فاحشة ، منها إنه روى أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- احتجم في مسجده ، فعقّب عليه مسلم بقوله: (( و هذه رواية فاسدة من كل جهة ، فاحش خطؤها في المتن و الإسناد معا جميعا ) )، وذلك أن ابن لُهيعة مُصحّف في متنه و مُغفل في إسناده ، ثم بيُن أن معنى الحديث هو أن رسول الله احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيه ، و ليس معناه أنه احتجم فيه )) (1) .
(1) مسلم بن الحجاج: التمييز ، حققه مصطفى الأعظمي، السعودية ، مكتبة الكوثر ، 1411 ، ، ص: 187 .