و منها -أي القواعد- تحكيم العادة و قواعد السياسة و الأحوال في الاجتماع الإنساني ، و قياس الغائب بالشاهد و الحاضر بالذاهب ، و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار ، و إخضاعها للعقل من حيث الإمكان و الاستحالة ، مع ضرورة تطابقها مع طبائع العمران (1) .
و منها أيضا التركيز على نقد متون الأخبار و تقديمها على نقد الأسانيد-تتضمن رواة الأخبار- ، و قال إن النظر في المتن من حيث الإمكان و الاستحالة سابق على نقد الإسناد- أي نقد الرواة جرحا و تعديلا- ، فلا يُرجع إليه-أي الإسناد- حتى يُعلم الخبر في نفسه ، أهو ممكن أم ممتنع ، فإذا كان مستحيلا فلا فائدة من النظر فيه ، فأصبح ذلك أهم من نقد الإسناد و مقدما عليه (2) .
ثم فرّق ابن خلدون بين الخبر الشرعي و الخبر البشري ، و جعل نقد الإسناد خاصا بالأول -أي الخبرالشرعي- ، و جعل نقد المتن خاصا بالثاني-أي الخبر البشري- ، و في ذلك يقول: (( و إنما كان التعديل و التجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية ، لأن معظمها تكاليف إنشائية - أي أوامر و نواه- أوجب الشارع العمل بها ، حتى حصل الظن بصدقها ، و سبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة و الضبط ... و أما الإخبار عن الواقعات -أي أخبار البشر- فلا بد من صدقها و صحتها من اعتبار المطابقة ، فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعه ، و صار أهم من التعديل و مقدما عليه ، إذ فائدة الإنشاء مقتبسة منه فقط ، و فائدة الخبر منه و من الخارج بالمطابقة ) ) (3) .
(1) نفسه ، ص: 4، 28 ، 29 .
(2) نفسه ، ص: 28 ، 29 .
(3) نفسه ، ص: 29 .