فهرس الكتاب
و هذا نموذج رائع للغاية في نقد الروايات و تمحيصها ، قام على أساس قانون المطابقة بالاحتكام إلى الثابت من التاريخ ، زمانا و مكانا و أفعالا ، و هو أيضا نموذج مبكر للنقد التاريخي عند المحدثين في القرن الثاني الهجري .
و الشاهد الثامن هو ما رواه الخطيب البغدادي من أن المحدث محمد بن عبيد المنادي (ق: 3ه) قال أنه دخل مدينة واسط بالعراق ، و بها المحدثان هشيم بن بشير ، و أبو هدبة ، فلزم أبا هدبة ، و لم يلتحق بهشيم ، . لكن الخطيب البغدادي حكم على هذه الرواية بالبطلان ، لأن هشيما انتقل من واسط إلى بغداد قديما ، و سكنها إلى أن تُوفي بها سنة 183ه ، و لم يكن لابن المنادي إلا 12 سنة ، و هو لم يسمع من أبي هدبة إلا ببغداد بعد موت هشيم بمدة طويلة ، و لا يُعلم له - أي ابن المنادي- سماع إلا بعد سنة 190هجرية (1) . فالخطيب في هذه الرواية استخدم في نقدها و إبطالها قانون المطابقة ، القائم على الاحتكام إلى الثابت من التاريخ ، زمانا و مكانا و حالا .
و الشاهد العاشر يتضمن طائفة من الروايات التاريخية نقدها شيخ الإسلام ابن تيمية ، معتمدا في ذلك على قانون المطابقة بشتى وجوهه ، منها خبر يقول إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا لعلي بن أبي طالب بقوله: (( اللهم اخذل من خذله و انصر من نصره ) )فيرى أن مما يبين بطلانه أن الذين قاتلوا عليا لم يخذلوا ،و كان النصر في النهاية حليفهم ؛و أن الذين كانوا معه خذلوا و لم ينصروا (2) .
(1) تاريخ بغداد ، ج 3 ص: 410 .
(2) نفس المصدر ج 4 ص: 17 .