الصفحة 61 من 315

و الرواية الثالثة مفادها أنه لما عُرج بالنبي -عليه الصلاة و السلام- إلى السماء و كذّبه معظم قومه انقض نجم-و قيل كوكب-على مكة ، فقال الرسول: (( انظروا في دار من وقع فهو خليفتي من بعدي ) )فوجدوه في دار علي بن أبي طالب ، فأنزل الله سورة النجم . فقال ابن تيمية إنه لا واحد من المفسرين قال إن سورة النجم نزلت بسبب انقضاض نجم على دار أحد بمكة . كما أن التاريخ الثابت المعروف لم يحدثنا قط عن كوكب سقط على مكة ، و لا على المدينة ،و غيرهما من المدن . و سقوط كوكب على الأرض ليس هو من جنس الخوارق المعروفة .و لا يروي هذا الخبر إلا أوقح الناس و أجرأهم على الكذب و أقلهم حياء ،و لا (( يروّج إلا على من هو أجهل الناس وأقلهم معرفة و علما ) ) (1) .

و لابن تيمية قول في غاية الأهمية عن سنة الله في نقل الأخبار ، مفاده أن سنة الله مضت في عباده أنهم لا يتواطئون على الكذب في الأمور المتواترة ، و المنقولات المستفيضة ، لأن الله تعالى قد جبل جماهير الأمم على الصدق و البيان في المتواترات ، دون الكتمان و الكذب ، كما جبلها على الأكل و الشرب و اللباس ؛ و النفس تصدُق إذا لم يكن لها في الكذب غرض راجح ، و ُتخبر بالأمور المتواترة و لا تكتمها . و المتواترات يُعلم أن الناس لم يتواطئوا على الكذب فيها ، وأنهم في الأخبار الشاذة لم يتواطئوا على كتمانها (2) . فيتبين من هذه الطرق التي ذكرها ابن تيمية- لتحقيق الأخبار -، أنه لجأ إلى بعض السنن الطبيعية التي تتحكم في النفس و العمران البشري ، مستعينا بالعقل و قياسه و ضربه للأمثال ، ليتخذ من هذه الطرق وسيلة للنقد و التمحيص .

(1) نفس المصدر ج 4 ص: 19 .

(2) ابن تيمية: خلاف الأمة في العبادات و مذاهب أهل السنة ، ضمن مجموع من هدى المدرسة السلفية ، الجزائر ، دار الشهاب ، 1988 ، ص: 119 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت