الصفحة 94 من 315

نقد عبد الرحمن بن خلدون طائفة من الروايات التاريخية ، اثناء عرضه لمنهجه في النقد التاريخي ، و من خلالها انتقد أيضا المحدثين و المؤرخين المسلمين ، و قد عرضها بطريقة تُوحي بأن انتقاداته لها هي من عنده و لم يُسبق إليها ، فهل هذا صحيح ؟ و هل وُفق في تحقيقه لها ؟ ، و إجابة على ذلك نورد ثماني روايات نقدها ابن خلدون ، ثم ننقده نحن فيها أيضا .

الرواية الأولى: عدد جيش بني إسرائيل بأرض التيه:

ذكر ابن خلدون أن المؤرخ المسعودي و غيره من المؤرخين ، ذكروا أن جيش بني إسرائيل بلغ زمن التيه 600 ألف أو أكثر ، ممن يقدر على حمل السلاح من سن العشرين فما فوق . لكن ابن خلدون استبعد ذلك العدد ،و توسع في رده ، فكان مما قاله إن ذلك العدد كان كبيرا ،و تحركاته صعبة ، و ليس من السهل التحكم فيه ، لأن دولة بني إسرائيل كانت صغيرة ، و لو كان جيشهم كبيرا لتوسعت مملكتهم ، ثم قارن جيشهم بدولة الفرس ، التي كانت واسعة الأرجاء ، و لم يبلغ جيشها في معركة القادسية ذلك العدد الكبير ، فلم يزد عن 120 ألفا . و استدل أيضا بتزايد بني إسرائيل ، مبينا أن بين جد بني إسرائيل يعقوب و موسى-عليهما السلام- أربعة أجيال فقط ، و هي فترة قصيرة لا يتشعّب فيها نسلهم إلى ذلك العدد الكبير ، و حتى إذا جعلناهم 11 جيلا ، فإن نسلهم لا يصل ذلك العدد (1) .

و نقده هذا صحيح ، احتكم فيه إلى الإحصاء و علم الأنساب ، و إلى بعض سنن و عادات الاجتماع الإنساني ، فجاء نقده في محله و غاية في القوة ، الأمر الذي جعل المؤرخ محمد العبدة يرى أن نقد ابن خلدون لذلك الخبر ، هو نظرة متقدمة ، و هي اكتشافه لقانون التكاثر و النمو السكاني (2) .

(1) ابن حلدون: المقدمة ، ص: 8-9 .

(2) محمد العبدة: النقد التاريخي عند ابن تيمية و ابن خلدون ، مجلة البيان ، العدد 5 ، شعبان /1407ه، أفريل / 1987 ، ص: 58 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت