فهرس الكتاب
فيتبين من ذلك أن ما قاله الباحثان محمد العبدة و مصطفى العلواني عن اكتشاف ابن خلدون لقانون التكاثر الإنساني في النقد التاريخي ، هو قول غير صحيح ، فقد غاب عنهما أنه سُبق إليه . و الغريب أيضا أن ابن خلدون نفسه لم يشر إلى أن ابن حزم قد سبقه إلى نقد تلك الرواية ، لأنه من المستبعد جدا أن لا يكون ابن خلدون قد اطلع عليها في كتابه الفِصل في الملل و الأهواء و النحل ، فهو كتاب مشهور متخصص في الملل و الفرق و المقالات ، و كثير الانتشار بين أهل العلم .
الرواية الثانية: شخصية العملاق الأسطوري عوج بن عناق:
نقد ابن خلدون رواية تقول إن عوج بن عناق كان من العمالقة الذين قاتلهم بنوا إسرائيل ، و كان طويلا حتى إنه يتناول السمك من البحر و يشويه على الشمس . فيرى - ابن خلدون- أن هذه الرواية غير صحيحة ،و أنها من أكاذيب القصاص الذين جمعوا بين جهلهم بأحوال البشر ، و بين جهلهم بأحوال الكواكب عندما اعتقدوا (( أن للشمس حرارة ،و أنها شديدة فيما قَرُب منها ،و لا يعلمون أن الحر هو الضوء ، و أن الضوء فيما قَرُب من الأرض أكثر ، لانعكاس الأشعة من سطح الأرض بمقابلة الضوء ، فتتضاعف الحرارة هنا لأجل ذلك . و إذا تجاوزت مطارح الأشعة المنعكسة هنا ، فلا حر هنالك ، بل يكون فيه البرد حيث مجاري السماء ، و أن الشمس في نفسها لا حارة و لا باردة ، و إنما هي جسم بسيط مضيء لا مزاج له ) ) (1) .
ثم إنه استدل على كذب ما قاله القصاص عن طول عوج بن عناق ، من أن أطوال بني إسرائيل و أجسامهم في ذلك العهد قريبة من أجسامنا ، بدليل أبواب بيت المقدس ، فهي و إن خُربت و جُددن ، فإنها لم تزل محافظة على (( أشكالها و مقادير أبوابها ، فكيف يكون هذا التفاوت بين عوج و بين أهل عصره بهذا المقدار ) ) (2) .
(1) المقدمة ، ص: 140 .
(2) نفسه ، ص: 140 .