فهرس الكتاب
وهكذا فان أول شيء يتبع الحزن على الخطيئة الصوم، لأني من يرى أن نوعا من الطعام أمرضه حتى خشي الموت فانه بعد أن يحزن على أكله يعرض عنه حتى لا يمرض، فهكذا يجب على الخاطئ أن يفعل، فمتى رأى ان اللذة جعلته يخطئ الى الله خالقه باتباعه الحس في طيبات العالم هذه فليحزن لأنه فعل هكذا، لأني هذا يحرمه من الله حياته ويعطيه موت الجحيم الابدي، ولكن لما كان الإنسان محتاجا وهو عائش الى مناولة طيبات العالم هذه وجب عليه هنا الصوم فليأخذ اذا في اماتة الحس وأن يعرف الله سيدا له، ومتى رأى أن الحس يمقت الصوم فليضع قبالته حال الجحيم حيث لا لذة على الاطلاق بل الواقع في حزن متناه، ليضع قبالته مسرات الجنة التي هي عظيمة بحيث أن حبة من ملاذ الجنة لاعظم من ملاذ العالم بأسرها، فبهذا يسهل تسكينه، لأني القناعة بالقليل لنيل الكثير لخير من اطلاق العنان في القليل مع الحرمان من كل شيء والمقام في العذاب، وعليكم أن تذكروا الغنى صاحب الولائم لكي تصوموا جيدا، لأنه لما أراد هنا على الأرض أن يتنعم كل يوم حرم الى الابد من قطرة واحدة من الماء بينا أن لعازر اذ قنع بالفتات هنا على الأرض سيعيش الى الابد في بحبوحة من ملاذ الجنة، ولكن ليكن التائب متيقظا، لأني الشيطان يحاول أن يبطل كل عمل صالح ويخص عمل التائب أكثر مما سواه، لأني التائب قد عصاه وانقلب عليه عدوا عنيدا بعد أن كان عبدا أمينا، فلذلك يحاول الشيطان أن يحمله على عدم الصوم في حال من الاحوال بشبهة المرض فاذا لم يغن هذا أغراه بالغلو في الصوم حتى ينتابه مرض فيعيش بعد ذلك متنعمًا، فإذا لم يفلح في هذا حاول أن يجعله يقصر صومه على ترك الطعام الجسدي حتى يكون مثله لا يأكل شيئًا ولكنه يرتكب الخطيئة على الدوام، لعمر الله انه لممقوت أن يحرم المرء الجسد من الطعام ويملأ النفس كبرياء محتقرا الذين لا يصومون وحاسبا نفسه أفضل منهم، قولوا لي أيفاخر المريض بطعام الحمية الذي فرضه عليه