فالمأثم إن كان ثم مأثم هو على أصحابه وأقاربه الذين لا يقرضونه مع علمهم بحاجته· ثم أضاف -رحمه الله-:"فإن عقد البيع على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ" (3) ·
فإن قيل: نعم هو لا يبيع شيئًا وإنما يشتري، ولكن قصده التورق، ولا يعمد إلى التورق إلا من احتاج إلى النقود، أفلا يكون هذا مضطرًا؟ فالجواب ليس كل من احتاج إلى البيع أو الشراء كان داخلًا في تعريف المضطر، وبطل بيعه، ولو كان الأمر كذلك لبطلت أكثر بيوع الناس· يقول ابن حزم -رحمه الله- في المحلى"···فوجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللباس فإنه مضطر إلى ابتياعه بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يصيب القوت من ضيعته، وهذا باطل بلا خلاف" (1) ·
5 -ب- القول بأن التورق حيلة على الربا:
الحيلة هي"تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر" (2) ، والحيلة لا تكون كذلك إلا بوجود القصد إلى التوصل إلى المحرم· يقول ابن تيمية في الفتاوى"وأصل هذا الباب (أي الحيل) أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فإن له ما نوى" (3) ·
قال ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين:"وكان شيخنا -رحمه الله- يمنع من مسألة التورق، وروجع فيه مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه···" (4) ·
من الجلي إذن أن التورق لا يكون حيلة إلا إذا نوى فيه التوصل إلى ممنوع· لأن أصل الحيل راجع إلى القصد والنية·
فانظر إلى أمر التورق في المصارف اليوم، ومن يتعاملون معها· لا يظهر لنا أن المتورق قصده ارتكاب الحرام والدخول في الربا عن طريق الاحتيال عليه، بل العكس من ذلك تمامًا إذ الراجح أن نيته ومقصده هو اجتناب الحرام والخلوص من الربا· ولذلك هو يترك القرض بزيادة ويتجنبه· ولو كان أراد القرض بزيادة ربوية ما احتاج إلى حيلة إليه، إذ إن أبوابه مشرعة في البنوك، بل هو أقل كلفة ونفقة من التورق، وإنما ترك الاقتراض بالربا وأخذ بالتورق، وقصده اجتناب الحرام· فكيف يتهم هذا بأن نيته هي إلى ما حرم الله يتوصل إليه بحيلة؟ ·