ويوصي قاضيه أبا موسى الأشعري ، فيقول: [ أما بعد ، فإن القضاء فريضةٌ محكمة ، وسنةٌ متَّبعة ، فافهم إذا أدلي إليك ، فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍ لا نفاذ له ، ... ثم الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك مما ليس فيه قرآنٌ ولا سنَّة ، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله ، وأشبهها بالحق ... ] [1] .
وقد عرف من الصحابة بالاجتهاد كثيرون ، منهم: الخلفاء الأربعة ، والعبادلة .. عبد الله بن عباس .. وعبد الله بن عمر .. وعبد الله بن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، عبد الرحمن بن عوف ، أبو سعيد الخدري ، وأبو موسى الأشعري .. على أن الذين اشتهروا بالفتيا قد ناف عددهم عن [ 130 ] مائة وثلاثين صحابيًا ، وهم بين ك مقلٌ في الفتيا ، ومتوسط ، ومكثرٌ منها .
وكان من سنة الشيخين .. أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما ، أنه إذا نزلت النازلة لم يظهر لهما فيها شئ من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يجمعا لها العالمِين من صحابة المصطفى ، فإن وجدت سنةٌ أخذا بها ، وإن لم توجد اجتهد الجميع من ذوي المقدرة فيها ، فإن اتفقوا فذلك إجماعٌ واجب الإتباع ، وإلاَّ يعمل كلٌّ برأيه .. ما لم يأمر إمام المسلمين بالعمل برأيٍّ من الآراء بحسب صلاحيته السلطوية وليست الاجتهادية ، حتى جاز نقض الاختيار منه أو ممن يأتي بعده [2] .
(1) أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين / لإبن القيم - 1 / 85 وما بعدها بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد [ سنة الطبع 1987 م ] .
(2) محاضرات أستاذنا المرحوم الشيخ السنهوري / المرجع السابق ص 105 .