فهرس الكتاب
متوقفة بانتظارهنَّ أمام محلات"الماربل آرش لماركس وسبنسر في لندن"إلاَّ أنهنَّ قد يكنَّ في بلادهنَّ ساحرات الجمال وغامضات وفاتنات ومدهشات مثل نجد تلك الصحراء القاحلة في شبه الجزيرة العربية"."
يرى مابرو: أنَّ كاتب المقال المذكور لا يُعنى بهؤلاء النساء إلا بوصفهنَّ موضوعات جنسية. كما يرى في مكان آخر أن أسباب وصف الأوربيين للمرأة المحجبة بالتخلف والبؤس إنما هو نتاج للمركزية العنصرية والإيمان بتفوق العنصر الأوربي"."
وفق هذه الرؤية كثيرًا ما يدرس علم الاجتماع الغربي هذه الظاهرة بناء على نظرة سطحية هشة. فضلًا عن كونها، كما أسلفنا، مقطوعة الصلة بظروفها وأبعادها ومضامينها الحقيقية. وهو ما عبر عنه الفكر الغربي في التجمعات العالمية التي نُظمت لدرس قضايا المرأة في العالم، كـ"المؤتمر العالمي للسكان والتنمية"الذي عقد في القاهرة في سبتمبر 1994، و"المؤتمر الرابع للمرأة"الذي عقد في بكين سبتمبر1995.
لقد تعامى الفكر الغربي تمامًا في هذه المؤتمرات عن حقيقة أنّ النسق الاجتماعي في كل دولة يخلق أوضاعًا خاصة بها تسمح بإباحة حقوق للمرأة قد لا تتناسب مع دول أخرى لها نسق يتفق مع ظروفها، ومن ثم يختلف تناول قضية"تمكين المرأة"، وهو المصطلح الذي يسود حاليًا، من مجتمع لآخر بحسب المعايير التي تشجع بها تقاليد كل مجتمع.
وهنا نعود لنتساءل مع عالم الاجتماع المصري"سعد الدين إبراهيم"حول حقيقة هذه الظاهرة ومدى أثرها على تطور المرأة وتخلفها كما تدَّعي تصنيفات علم الاجتماع الغربي. وحسب إبراهيم في كتابه الموسوم"النظام الاجتماعي العربي الجديد":"أنه إذا كانت الحداثة تعني السفور والملابس العصرية والاختلاط الحر مع الجنس الآخر واللقاء الرومانسي بين الجنسين، ففي هذه الحالة يمثل الفتيات المحجبات نكسة لقضية الحداثة؛ أما إذا كانت الحداثة من ناحية أخرى تعني اكتساب العلوم الحديثة والتكنولوجيا والإنسانيات، وإذا كانت تعني أيضًا الالتزام، ففي هذه الحالة تعدّ الفتيات المحجبات حديثات بكل المعاني".
ويصف الدكتور ابراهيم فوائد الحجاب بما يتناسب مع المنطق الغربي الفلسفي فيقول"إنّ هؤلاء الفتيات يؤكدنَ على واحد أو أكثر من المعاني التالية: هوية أصيلة في مواجهة تقليد أساليب الحياة الغربية, اعتراض على ما يبدو أمامهنَّ سلوكًا منحرفًا أو فاسدًا في المجتمع، والحرص على السمعة الأخلاقية."
إنهنَّ بكل بساطة ينتقينَ من محتويات حقيبة الحداثة، ويأخذنَ من الحداثة ما تحتويه من علم وتكنولوجيا، ومن التزام بمستقبل مهني، ثم يتركنَ بقية هذه المحتويات، يحدوهنَّ شعور وقناعة عميقة بأنَّ ما اخترنه من هذه الحقيبة إنما يتسق مع تراثهنَّ ومع تعاليم الدين الحنيف، ومع الأصالة.
ويختم إبراهيم معلقًا: هذا هو سبيلهنَّ لكي يفرضنَ بعض النظام على عالم يبدو لهنَّ مفعمًا بالفوضى والاضطراب.
بقي أن نذكر مثالًا أورده المفكر الأفريقي"فرانز فانون"عن المرأة الجزائرية أيام الاستعمار الفرنسي:"إن حجابها وسفورها كان جزءًا لا يتجزأ من تأكيدها لذاتها"