الصفحة 10446 من 35630

يشمل الكثير من علوم الشرع كالفقه و أصوله وقواعده و حفظ القرآن الكريم و تفسيره.

وهذا العلم كسابقه، قد يُنَال بالحفظ والمذاكرة والجد والتحصيل وقد يعرفه ويستظهره أي أحد، مسلما كان أو غير مسلم، برًا كان أو فاجرًا، والله يحدثنا عن أصناف من البشر جمعهم حفظهم لكتاب الله وفرقتهم الأعمال، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.

وكأن القرآن ينبئنا من طرف خفي ألا نتسرع في الحكم و نحسب كل أحد حفظ القرآن قد صار قديسا ففي الحديث:"رب قارئ للقرآن و القرآن يلعنه, قيل كيف ذلك، قال: يقرأ: ألا لعنة الله علي الظالمين وهو يظلم". وفي الأثر:"القرآن غريب في جوف الفاجر".

أما العلم في الله فهو ثمرة العلم كله وغاية الخير، إذ فيه صلاح الناس واكتمال نفوسهم فهو علم النفس وواجبها نحو معبودها و حقه عليها وهو الالتزام بمراد الله من النفس والانخلاع عن حظ النفس في كل شيء وهو ما عرفه الشاذلي: الدخول في كل خلق سني والخروج من كل خلق دني. وحده الجنيد بقوله: استرسال النفس مع الله علي ما يريد وعرفوه ثالثا فقالوا: هو ألا تملك شيئا ولا يملكك شيء.

وهذا العلم هو ثمرة السابق كله ولا يناله إلا من استطاع أن يعيش عيش الزهاد، ويحيا حياة العباد، ويقيم نفسه علي طريق الفضيلة ويكبح نفسه عن كل مذمة ونقيصة، كبرت أو صغرت، قلت أو كثرت. ومخلوق كهذا، مخلوق يدرك الغاية من وجوده ويعرف الهدف من خلقه فهو لا يتعبد شهوته ولا تستعبده شهوة، ولا ينقاد لغفلة، ولا يسقط في رذيلة.

هؤلاء أخي هم العلماء الربانيون الذين يجب علينا جميعا أن نبحث عنهم و أن نفتش. أما أن نرى إنسانا يعمل إماما أو تحصل له علم (من النوعين الأولين) ثم نراه مع هذا مصر علي ذنب ومرتكب لكبيرة، فلا يجب أن تصرفنا طبيعة وظيفته عن كونه بشرًا، لأنها مهما كانت قداستها- في نظرنا- فهي قد صارت في عصرنا وظيفة يتكسب معظم أصحابِها منها، ولا يدركون غايتها ولا قدسيتها.

إنني أنعي معك علي من صير الإمامة وظيفة من لا وظيفة له، وأقول حسبي الله ونعم الوكيل فيمن شوه صورة الإمام، بوضع بعض أسافل الناس وأراذلهم في مثل هذا الموضع الحساس. ونحن ندرك جميعا أن هذا الفشل الأخلاقي الضارب في مجتمعنا مرده إلي هذا الخلل الخطير الناشئ عن غياب القدوة الدينية، والتضييق علي العلماء الربانيين، أو عزلهم بالكلية عن الجماهير المتعطشة لعلمهم، وفتح الباب أمام غير المؤهلين علميًا وأخلاقيًا، بل ومَن مكانُهم الحق في المصحات العلاجية، والمشافي النفسية، لتغسلهم من أوضار الرذيلة التي تكتنفهم.

ولا أملك أخي إلا أن أكرر مع القائل قوله:

يأيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا *** كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا أبدًا *** وأنت من الرشاد عديم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت