فهرس الكتاب
ونحن لاننكر أن كثيرين من مفكري الأمة وعلمائها ومثقفيها قد انقادوا مع الحملة الغربية الرامية إلى تشويه الإسلام والتشكيك في قيمه الثابتة وأسسه الخالدة في تنظيم شؤون المجتمع والأسرة، سواء بحسن نية أو لسوء الطوية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، غير أننا لاننكر أن الصراع كان قويا ومزلزلا بالنظر إلى جدة الطروحات الأوروبية الاجتماعية والثقافية والسياسية في ذلك الحين، وذلك لسببين اثنين مترابطين: الأول أن المجتمعات الإسلامية كانت تعيش تحت نير التخلف والركود بحكم سريان مفعول التقاليد البالية وغلبتها في نفوس المسلمين على قيم الشرع الحنيف، والثاني محاولة مفكري الأمة وعلمائها البحث عن سبيل للخروج من هذه الأوضاع وشق طريق الحضارة التي عبدها أسلافهم الصالحون.
وفي ظل هذا الشد و الجذب، أي دواعي الجمود و محاولة النهوض، كان المستعمر الأوروبي المدفوع بالحقد الصليبي على الإسلام يعمل على تقويض ما تبقى من دعائم الصرح الإسلامي وإثارة الناقمين ضد"التقاليد المتخلفة"- حسب زعمهم- التي هي عين الإسلام.
بداية الانحدار
و قد سخّر قاسم أمين ، الكاتب المصري ذو الانتماء الأرستقراطي، قلمه للكتابة عن المرأة في المجتمع المصري المسلم، و انتشرت دعواته في شتى أرجاء العالم الإسلامي باعتبارها أول محاولة جريئة للخوض في هذا الموضوع الذي ظل شبه مغلق أمام المفكرين والعلماء المسلمين، و ذلك بسبب كونه يمس التقاليد الاجتماعية التي تعود الناس عليها وألفوا التعايش معها، مما جعل هؤلاء العلماء والمصلحين يترددون في الخوض فيها خشية الصدام مع المجتمع ونعتهم بشتى النعوت.
أصدر قاسم أمين أول كتاب يدور حول المرأة عام1899 تحت عنوان (تحرير المرأة) ، و قد حاولت مضامين المقدمة أن تصب في الهوية الإسلامية، وتدعو إلى الإصلاح العام، ومن ضمنه الإصلاح الاجتماعي. ولا غرابة في ذلك، فقد كان قاسم أمين تلميذا للشيخ محمد عبده ورفيقه في باريس عندما كان يصدر مع الشيخ جمال الدين الأفغاني (العروة الوثقى) ، حيث كان قاسم أمين يقوم بمساعدة الشيخ عبده على الترجمة من اللغة الفرنسية التي كان يجيدها. و يذهب الدكتور السيد أحمد فرج إلى أن كتاب قاسم أمين المذكور"نبت منبتا إسلاميا"وتطابقت أفكاره مع كثير من أفكار محمد عبده التي عبر عنها في كلامه عن المرأة وحديثه عنها في مقالات (الواقع) ، وفي تفسير آيات القرآن الكريم (المؤامرة على المرأة المسلمة:تاريخ ووثائق ص65) . فقد اعتمد قاسم أمين في إ ثبات دعوته إلى تحرير المرأة الشرقية على أدلة من السيرة النبوية والأحاديث الشريفة والآيات القرآنية، مدافعا عن الحجاب الشرعي الذي يدعي أن الفقهاء قد أجمعوا عليه، والمتمثل في كشف الوجه والكفين فقط ، و حمل على عزل المرأة داخل أسوار البيت، ودعا إلى طرح الحجاب التقليدي أو الخمار الذي يجعل المرأة كما يقول ( لاتتمكن من المشي ولا الركوب، بل ولا تتنفس ولاتنظر ولا تتكلم إلا بمشقة) ، وذهب مذهب الشيخ محمد عبده في تقنين عدد الزوجات حينما أعطى للحاكم حق منع التعدد في حالة فساد الزمان للشطط والفساد في استعمال التعدد من طرف الرجل.