فهرس الكتاب
ومهما يكن من أمر هذا الكتاب والخلفيات التي كانت تكمن وراءه أو ما كان يدبره صاحبه من مفاجآت لاحقة، فإن الكتاب في الصفحات التي بين دفتيه كان يعبر في نظر الكثير من المثقفين عن حاجة موضوعية إلى إخراج المرأة المسلمة من العزلة الاجتماعية و الثقافية التي ضربت عليها بسبب تراكم التقاليد المنافية لجوهر الإسلام، وكان جميع المصلحين المسلمين متفقين على ضرورة إصلاح هذا الوضع الشاذ وإطلاق مبادرة المسلم ذكرا وأنثى في بناء النهضة المنشودة بعد سبات طويل عمل الاستعمار على تأبيده.
لكن قاسم أمين ألحق كتابه الأول حول تحرير المرأة، بعد عام واحد فقط، بكتاب آخر هز أولئك الذين استقبلوا كتابه الأول بالقبول والترحاب، وهو"المرأة الجديدة"عام1900، وكأنه عنى بهذا العنوان المعبر الإعلان عن بروز امرأة جديدة غير التي عرفها المسلمون، أي امرأة متمردة على التقاليد والإسلام معا، أو أنه عنى أن دعوته الجديدة هي غير الدعوة السابقة إلى تحرير المرأة، و أن ما يدعو إليه هذه المرة ليس تحرير المرأة المسلمة من قيودها، بل تجاوز هذه المرأة نحو شخصية جديدة.
مرحلة جديدة
و قد دشن هذا الكتاب الثاني مرحلة جديدة في حياة صاحبه، حيث انتقل من الدعوة الإصلاحية التوفيقية والنهج السلفي إلى التغريبية والاقتلاع الحضاري مباشرة، وقطع علاقته بأفكار المصلحين المسلمين الذين أيدوا دعوته السابقة كالشيخ محمد عبده، و الشيخ رشيد رضا، و الشيخ عبد القادر المغربي، معلنا انحيازه إلى طبقته الاجتماعية والثقافية، الطبقة الأرستقراطية المصرية التي كانت تابعة للغرب في المسلك والملبس والثقافة. ويذهب أحد الباحثين إلى أن كتاب"المرأة الجديدة"كان بمثابة اعتذار قدمه قاسم أمين للأميرة"نازلي"التي كانت على صلة وثيقة بسعد زغلول رئيس حزب الوفد الليبرالي، وكانت تؤيد أفكار رجال تركيا الفتاة ، وذلك بسبب ما جاء في كتابه"مصر والمصريون"والذي ألفه عام1894 ردا على المستشرق النصراني الدوق داركور الذي هاجم الشرقيين، وفي هذا الكتاب دافع قاسم أمين عن المرأة والتقاليد وعن الحجاب التقليدي. وبهذا يكون قاسم أمين قد عاش عدة تحولات فكرية قبل أن يكشف عن الوجه السافر للمثقف المتغرب العلماني الذي لا يرضى بالحلول الوسطى، بل يريد أن يجتث القيم الإسلامية من جذورها لحساب القيم الغربية العلمانية، وإذا لاحظنا أن الفاصل الزمني بين الكتابين الأول والثاني عام واحد، يكون الاحتمال الطبيعي أن أفكار الكتاب الثاني كانت جاهزة ، إذ من الصعوبة بمكان أن تتغير مواقف الرجل في ظرف وجيز بمقدار مائة وثمانين درجة دفعة واحدة.
وهكذا لم يعد قاسم أمين يدافع عن الحجاب الشرعي الذي عليه الفقهاء كما في دعوته السابقة، بل دعا علانية إلى تمزيق الحجاب ومحو آثاره، واعتبر أن أوروبا هي النموذج الذي ينبغي أن نحتذيه، وأن التمدن الأوروبي ليس خيرا محضا ولكنه الخير المحض الذي أمكن للإنسان أن يصل إليه .
قضية المرأة وتدويل القيم
مضى اليوم على دعوة قاسم أمين نحو مائة عام ، قطع خلالها العالم الغربي والإسلامي أشواطا كبيرة في مسار التحولات الاجتماعية والثقافية و الفكرية، وهذه