الصفحة 1054 من 35630

المدة الفاصلة بين انطلاق ما يسمى الدعوة إلى تحرير المرأة المسلمة في الماضي وما نحن عليه اليوم كافية للتأمل في مسلسل الانحدار الخطير الذي أصاب المجتمعات الإسلامية.

حاصل المسألة ، أن موضوع المرأة اليوم لم يعد مسؤولية أفراد أو شخصيات، أو مبادرات معزولة تنطلق من هنا وهناك لتثير معركة أو تشعل حربا أو تطلق نقاشا بين المؤيدين و المعارضين ، بين أنصار التغريب وتيار الهوية والتأصيل.

لقد أصبحت القضية اليوم تطرح على بساط النقاش الدولي، و خضعت قضية المرأة في العالم الإسلامي لنوع من التدويل، السياسي والثقافي، وهو ما يعني أن موضوع المرأة والأسرة عموما صار جزءا من المواجهة الحضارية الشاملة.

منذ 1994، تتالت المؤتمرات واللقاءات الدولية التي كان الهدف منها فرض الرؤية الغربية العلمانية على المجتمعات الأخرى، بما فيها العالم الإسلامي الذي هو قلب التحولات العالمية خلال قرنين من الزمان على الأقل، فيما يخص نظام الأسرة ووضع المرأة وأخلاقيات الزواج.

ففي ذلك العام انعقد مؤتمر السكان والتنمية في القاهرة ، وتلاه مؤتمر الصحة الإنجابية في بكين عام 1995، وفي عام 1998 انعقد مؤتمر الصحة الإنجابية في القاهرة أيضا، وفي يونيو من نفس العام نظم مؤتمر الشباب في بانكوك، وتوالت اللقاءات والمؤتمرات الدولية الجانبية لمتابعة الشق المتعلق بتنفيذ توصيات هذه المؤتمرات في أكثر من مناسبة.

هذا الانتقال والتحول الذي طرأ على شعار تحرير المرأة في العالم الإسلامي، بين بداية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، أي على مسار قرن كامل، لم يحدث فجأة ودفعة واحدة، وإنما حدث على مراحل متدرجة، وكان يراد لكل مرحلة أن تصبح مكسبا، ليتم الانتقال إلى المرحلة التالية، وأن تترسخ كواقع لا يمكن التشكيك فيه أو التراجع عنه. وخلال هذه المراحل كلها تمكن الفكر الغربي العلماني من التسلل إلى المجتمعات العربية والإسلامية من خلال المثقفين المتغربين والأحزاب والحركات النسوية العلمانية التي حاولت أن تمتلك النفوذ من خلال سلطة الإعلام والثقافة والدعم الغربي المادي والسياسي والأدبي.

وقد سمح هذا التقارب الواسع بين الحركات النسوية في العالم الإسلامي ونظيراتها في الغرب والمنظمات الغربية، بظهور شبه تكتل دولي، عبر التنسيق والتعاون والعمل المشترك، وهذا هو المسلسل الذي أدى إلى انعقاد العديد من اللقاءات الدولية بشأن المرأة ، أصبحت توصياتها ملزمة للدول والشعوب غير الغربية ، ليس فقط بقوة الشرعية العالمية، بل كذلك بقوة النفوذ الذي اكتسبته الحركات النسوية داخل هذه البلدان بفضل الدعم الأجنبي، بحيث أصبحت تشكل لوبيات للضغط والمطالبة إزاء الحكومات.

وتحضرني هنا نماذج من المغرب والجزائر وبلدان عربية وإسلامية أخرى، عملت فيها الهيئات الحزبية والنسوية للضغط على الحكومات ورفع مطالب بتغيير قوانين الأسرة والزواج بشكل يستوعب المبادئ والقرارات الصادرة عن تلك المؤتمرات واللقاءات الدولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت