فهرس الكتاب
لقد خلق هذا التطور في طرح قضية تحرير المرأة ، بالمفهوم الغربي لكلمة التحرير الذي لا يقبل أي نقاش اليوم خشية فضح حقيقته، خلق واقعا عالميا جديدا هو واقع تدويل القيم المتعلقة بالأسرة بشكل عام ، والمرأة بشكل خاص.
وجاءت العولمة قبل سنوات قليلة لتعطي لهذا التدويل دفعة، ولم تعد توصيات المؤتمرات الدولية وحدها التي تؤدي هذا الدور، بل تدخلت قوى جديدة ذات نفوذ وسلطة أدبية وأخلاقية على العقول والنفوس لخلق هذا التدويل في الشعور العربي والمسلم ، هذه القوى الجديدة هي الإعلام وثورة الاتصالات، التي أصبحت تسوق رؤية جديدة للمرأة والأسرة تقوم على امتداح الليبرالية الأخلاقية وحرية الاختيار ومبدأ المتعة والفائدة وقانون الرغبة الذاتية وسلطة الفرد على نفسه.
كيف نربح المعركة؟
إن التحدي الذي يواجه الأمة الإسلامية في قضية المرأة ليس تحديا هينا ولا بسيطا، كما قد يبدو، ليس بسيطا ولا هينا لأن قضية المرأة ليست معزولة عن قضية الأسرة، والأسرة ليست معزولة عن المجتمع برمته، وصحة الحضارة من صحة المجتمع وسلامته.
ونحن نخطئ كثيرا حين نعتقد بأن الغرب يتناول قضية المرأة في العالم الإسلامي من منطلق التجزيء، بل لأن الغاية هي تفكيك المجتمع ، إن المعادلة السابقة بين المرأة والأسرة والمجتمع ثم الحضارة قد فهمها الغرب جيدا قبل أزيد من قرنين، ولذلك فهو يحاول البدء من الحلقة الأولى الأقوى لكسرها.
مهما يكن من الأمر، فإن المعركة الحضارية اليوم هي معركة الثقافة والإعلام من أجل التنوير وخلق الوعي التاريخي السليم بما حدث وما يحدث، وما سوف يحدث مستقبلا لو أننا سرنا في نفس الطريق.
وهناك قضيتان لا بد من إيفائهما حقهما من الدرس والشرح والتحليل، من أجل اعتراض الهجمة الحضارية القوية التي يقودها الغرب ضد العالم الإسلامي ، تحت ستار المرأة والأسرة.
القضية الأولى ، فكرية تاريخية: لقد جاء الإسلام بالمفهوم السليم للتحرير الشامل للمرأة ، وأعطاها جميع حقوقها من الميلاد إلى الممات، أسوة بشقيقها الرجل الذي تشترك معه على قدم المساواة في بناء المجتمع والحضارة، وفي تقديم الحساب في الآخرة.
ولدينا تجربة تاريخية فريدة عمرها يزيد على أربعة عشر قرنا من الممارسة،التشريعية والدينية والأخلاقية الإسلامية يمكن القياس عليها، بينما لدى الغرب تجربة لا تزيد على قرنين، قادت اليوم إلى تفسخ الأسرة وإذلال المرأة والقضاء على الأخلاق الاجتماعية السليمة والإنسانية. وبقياس التجربة الثانية الغربية على التجربة الأولى الإسلامية، مع الفارق الكبير في الفترة الزمنية بينهما، يمكننا الخروج بقاعدة فكرية والبناء على أساسها: لقد نجح الإسلام في أربعة عشر قرنا في بناء الحضارة الإنسانية السليمة المرتكزة على الأخلاق، لكن الفكر الغربي سقط في أول الطريق ولم يكمل قرنين من عمره.