فهرس الكتاب
وهكذا استمر وضع أمي وأبي بالتجاهل، مرة بسبب خلافاتهما العميقة ومرة بحجة الديمقراطية من جهة أبي، وانشغاله بتحصيل الرزق اللازم لمساعدة أخوي الكبيرين في دراستهما في الخارج - ولسوء الحظ صادف تركهما للمنزل في لحظة عمرية فارقة بالنسبة لأختي، للفرق العمري الكبير بينهم- ومرة لانشغال أمي عنا بأهلها تارة، وبالأسفار تارة أخرى إضافة لغياب التربية الدينية.
ورفضا إشراك أخوي في المسؤولية بحجة عدم إلهائهما عن دراستهما وأعمالهما. أرجو ألا تظنوا أني سعيدة بلعب دور الضحية أو الشهيدة وسط كل هذا التفكك العائلي. لم أقص عليكم إلا الواقع وقلبي يتمزق حزنا على أسرتنا وحنينا للدفْ العائلي الذي حرمت منه مبكرًا.
باختصار الوضع هو تبادل الألفاظ النابية، سرقات منزلية، أمي كارهة لأختي وأبي حتى بعد وفاته، وأختي كارهة لأمي، وكانت تعيب على أبي أنه وضع كل جهده في خدمة أخوتي الذكور وأهملنا.
لم تتزوج أختي واتجهت أنا للتدين في سن العشرين وتحجبت رغم المعارضة الشديدة من أمي ومحيطي من صديقاتي اللواتي كان معظمهن نصرانيات ولكني لم أتزوج أيضا لأن من تقدم لي وأعجبني كان متزوجًا ورفضت أمي الفكرة.
كنت في التاسعة و العشرين، وكنت أعرف أن فرصي قليلة، وكنت أرغب به رغم فرق السن، ولكن أمي أقنعتني بأن الحياة مع متزوج وامرأته الأولى لا قبل لي بها. وأنا الآن وحيدة جدًا في غربتي، وسني التي شارفت الأربعين بعد أربع محاولات جادة من طرفي (التواجد مع الجالية المسلمة، والاشتراك في بعض مواقع الزواج الإسلامية) كنت على وشك الزواج بعدها ولكنها انتهت بالفشل.
عندما ذهبت كانت عينا أبي تقول لي لا ترحلي، ولكنه لم يقلها صراحة، وبقيت أتردد على بلدي كلما واتتني الفرصة في الصيف، واعتنيت به كما شاء لي الله وكذلك أمي وأختي. كان هذا دأبنا بعد أن قام أخواي بإجراء عملية كبرى له إثر اكتشاف المرض.
تخللت فترات العداء بين أمي و أختي هدنات عديدة، ولكنها كانت تنهار بسرعة لتمكن العناد من كلتيهما. فالحياة مع أختي صعبة جدا لأنها لا تقيم وزنًا لأحد، و لكنها روحانية جدًا رغم عدم تدينها الظاهري، وأحسب أنه سبحانه وتعالى قد من عليها بالتوبة بعد عدة رؤى رائعة قصتها عليّ، كان آخرها رؤيتها لنبي الله إبراهيم عليه السلام، والسيدة مريم يزورانها.
وهي الآن تصلي بين الفينة والأخرى، ورغم أنها تعتبرني أتدخل في شؤونها عند الحديث عن الصلاة والاحتشام، إلا أني أراها قريبة من الله سبحانه و تعالى. أبي كان كذلك يصلي أيامًا وأيامًا. في زيارتي الأخيرة قبل وفاته طلبت منه أن يسامحني و قبلت يده ورجوته العودة للصلاة، وقال أنه نوى هذا وكان وضعه الصحي لا بأس به عندما غادرت مجددا ليتصل أخي بي بعد ثلاثة أشهر وينبئني خبر وفاته.
قبل أسبوع كنت قد طلبت من أختي أن تخبرني بحقيقة الأمر وأني قد أترك الدراسة مؤقتا لأكون معه ولكنها قالت لي: لا داع لذلك. أنا أتعذب لأتي لم أكن معه في لحظاته الأخيرة ولأن أختي قالت لي أن أمي أسأت معاملته قبل وفاته، مع أنها