فهرس الكتاب
فلقد سافرت إلى بلاد الغربة، لطلب العلم، في سن متأخرة، وذلك طبقا لظروف المنحة التي حصلت عليها، بعد ما يقارب خمس سنوات من المراسلة، وخيبات الأمل المتكررة التي عوضني عنها سبحانه وتعالى بتحقيق حلم الدراسة العليا في دولة أجنبية، مشهود لها بالتقدم في كافة المجالات، ولاسيما في اختصاصي الذي هو أدبها الوطني.
كان أبي مريضا عندما تركت، ولكنه كان مستمرًا في عمله ونشاطه الاجتماعي المعتاد إلا حين تعاوده الأزمة والحمد لله أنه لم ينقطع (يقضي حاجته بنفسه) حتى اللحظة الأخيرة، و هذه نعمة أشكر المولى عليها، لأنها تحقيق لأمنيته وأمنية أي إنسان في هذه الحياة الصعبة التي يتناقص فيها الأحباب يومًا بعد يوم، ولقد استمرت حالته مدة ثلاث عشرة سنة.
أنا لا أعرف إن كنت أكتب إليكم لكي تساعدوني في توضيح الأمور أو في حل ما لا حل له في الواقع. فقد وطنت نفسي على أن أول خطوات المقاومة النفسية لحالات الكرب والشدة هو الاعتراف بوجودها رغم مرارة العيش بوجودها.
وهذا ما توصلت إليه، عندما قررت أن أترك بلدي وأهلي والتشوش الذي أمر به، هو ما أريد أن تساعدوني مشكورين على تجاوزه لأنه أصبح مصدرًا للاكتئاب وعدم التركيز المستمرين. ولا أستطيع أن أتحدث بهذه الصراحة مع أي أحد، لأنها قد تضر بأعز الناس إلي.
أحد الأسباب القوية التي دفعتني لترك بلدي هو الوضع المأساوي للعلاقة بين أمي وأختي اللتين تتعاملان مع بعضهما البعض وكأنهما عدوتان بسبب تراكم الخلافات والاتهامات، وقد كنت بينهما كما كان يقول أبي رحمه الله صمام الأمان قي البيت وكنت أتعرض لشدات و ضغوطات نفسية كثيرة بسبب هذا الوضع بين أعز الناس على قلبي، ومن لا أملك في الدنيا سوى حبهما الذي لم تكونا تترجمانه باعتبار أي خاطر لي عند تدخلي بينهما للإصلاح منذ أن بدأت أختي تراهق من عشرين عاما.
المشكلة أنهما كانتا تمارسان حياتهما طبيعيًا بعد تجاوز الأزمة، وكنت أرزح أنا تحت وطأة الهواجس والكوابيس. فرق السن بيننا سنتان فقط، ولكني كنت أعاملها كأني أمها لأن الرقابة عليها كانت شبه معدومة، وما كان في يدي هو مراقبتها وعند الخطر إعلام أمي لتتصرف.
وكانت النتيجة أني حزت لقب جاسوسة بامتياز من أختي، وكانت أمي قد قررت عدم إخبار أبي كي لا يشمت بها، لأنها طلبت إليه عدم التدخل في تربيتنا، وترك هو لها هذه المهمة كاملة، ولكنها لم تكن قادرة على حمل الأمانة لتغليبها الهوى الشخصي على مصلحة أختي، واستسهال أبي عدم التدخل أو التدخل الإسعافي- غير العلاجي- عندما تصل المشكلة لحد ما.
ومرة انفجرت بالبكاء أمامهما أطلب منهما علاجًا لحالتها، لكنهما اتهماني بالسذاجة وارتفاع حساسيتي. واحترق قلبي على أختي الجميلة الطيبة.
وقد تتساءلون ألم أعش أنا نفس ظروفها؟!، والإجابة لا.. لأن أختي كان لها ظروف صحية دفعت بأمي لتدليلها لحد كبير، حتى بعد أن شفاها الله في عمر الثانية، هذا إضافة إلى جمال أختي الذي زاد من تعلق أمي بها في طفولتها.