الصفحة 10554 من 35630

أمَّا الأسباب التي تعين على تحقيق الهمَّة العالية للمسلم في حياته كثيرة، وأمثلتها من السيرة كثيرة، نذكر منها:

أولا: حبُّ الله ورسوله، وحبُّ جنَّته، واليقين بها والشوق إليها:

عن أنس رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يقدمَنَّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا دونه"، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض"، قال:"يقول عُمَيْر بن الحُمَام الأنصاريُّ رضي الله عنه: يا رسول الله، جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض؟! قال:"نعم"، قال:"بَخٍ بَخ"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما يحملك على قولك بَخٍ بَخ؟!"قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال:"فإنَّك من أهلها"، فأخرج تمراتٍ من قَرْنه فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياةٌ طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتِل (رواه مسلم) ."

فحبُّه لله ورسوله وتصديقه بهما، ويقينه بقيمة الجنَّة وشوقه إليها، كلُّ ذلك كان حافزًا له لتحصيل الثواب ولاتخاذ أسباب الوصول لأعلى درجاتها، مع الصبر على ذلك: {إنَّما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب} .

ثانيا: الخوف من النار واليقين بعذابها:

فعن أنس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً ما سمعتُ مثلها قط، فقال:"لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا"، فغطَّى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين".رواه البخاري، خنين: أي بكاءٌ مع صوتٍ وانتشاقٍ من الأنف. فقد دفعهم يقينهم بالنار وخوفهم من عذابها إلى الانطلاق في الالتزام بالإسلام وحمايته ودعوة الناس إليه."

ثالثا: تذكُّر عِظَم الرسالة التي تحملها:

فأنت يا أخي المسلم صاحب أعلى لواءٍ على الأرض، ودينك هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف لا وهو مرتبطٌ مباشرةً بالعزيز الغالب سبحانه، ويا له من ارتباط.

ودينٌ عظيمٌ بهذه الدرجة يحتاج إلى رجالٍ عظام، ومهمَّة الدعوة إلى دين الله تعالى هي أعلى المهمَّات وأشرفها.

يقول ابن الجوزيِّ رحمه الله:"ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم السلام، أما علمتَ أنَّهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبُّد، لعلمهم أنَّ ذلك آثر عند حبيبهم؟ هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثَّهم على الخير ونهيهم عن الشرّ؟".

ويؤكِّد ذلك الإمام ابن القيِّم رحمه الله فيقول:"الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله، أفضل من الحجِّ والصوم والصدقة والتطوُّع، والعالِم الذي قد عرف السنَّة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشرّ: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم، أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت