فهرس الكتاب
قال الإمام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى":".. لا تطمئن القلوب إلا به ولا تسكن إلا إليه.."وقال أيضا:".. كل مولود يولد علي الفطرة فإنه سبحانه فطر القلوب علي أن ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله..".
فالنفس تأمن حين تعلم أنها مرتبطة بشيء قوي، أنه خالقها القوي الرزاق المعين كما يقول تعالي:"إن الله هو الرزاق ذوالقوة المتين" (الذاريات: 58) ، الذي يطعمها ويسقيها وينميها كما يقول تعالي:"قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن" (الأنبياء: 42) ، ويعينها كما يقول:"ومن يتوكل علي الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره" (الطلاق: 3) ، وينجيها من كل سوء كما يقول:"قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب" (الأنعام: 64) .
والنفس تطمئن حين تعلم أنها ُخِلقت لكي تنعم في الحياة بنعم الله كما يقول:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات: 56) ، قال الإمام القرطبي:".. قال مجاهد: إلا ليعرفون.."، أي ليتعرفوا عليَّ وعلي خيرات أرضي وكوْني ويتمتعوا بمتعها الحلال كما يقول:"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين" (البقرة: 36) .
والنفس تستقر حين تعلم أن الله لم يتركها في الأرض مهملة دون رعاية وتوجيه وإنما أرسل إليها ُنظما تنظم لها حياتها وهي الأديان من خلال أفراد منهم وهم الرسل وأتمَّ هذه النظم بنظام الإسلام كما يقول:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة: 3) ، وكما يقول:"ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدي ورحمة وبشري للمسلمين" (النحل: 89) .
فالهدي والرحمة والبشري هي السعادة في الدنيا والآخرة لأنه يبين لها أين الصواب من الخطأ وأين المصلحة من الضرر في كل المواقف، والنفس تسكن حين تعلم أنها ستؤول إلي خالقها بعد موتها كما يقول:"يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" (الفجر: 27 - 30) ، و تحيا خالدة عنده في جنته إذا أحسنت كما يقول:"للذين أحسنوا الحسني وزيادة" (يونس: 26) .
والنفس تستبشر حينما تتأكد أن ما يفوتها في الدنيا سُتعَوَّضَه في الآخرة يوم الحساب كما وعد بذلك ربها في قوله:"لكي لا تأسوا علي ما فاتكم" (الحديد: 23) ، قال الإمام الطبري:".. قال ابن عباس أي في الدنيا.."، وأنها إذا ُظِلمَت فيها من أحد فإنها ولابد ستأخذ حقها كاملا منه غدا قريبا من أعدل العادلين كما يقول:"فلا يخاف ظلما ولا هضما" (طه: 112) .
والنفس تستريح حينما تعلم أن كل المؤمنين بخالقهم مثلها سيعاونونها في السراء لمزيد من الخير والسعادة وفي الضراء لانتشالها منه كما يقول تعالي:"وتعاونوا علي البر والتقوى" (المائدة: 2) ، أما النفس التي مع إنسان لا يحسن استخدام عقله في معرفة هذا كما يقول تعالي:"أم علي قلوب أقفالها" (محمد: 24) .
فلابد أن تكون مضطربة قلقة متوترة كئيبة ضعيفة مُحبَطة خائفة ُمَوْسوِسَة، إلي غير ذلك من الأمراض النفسية أو العقلية، كما يؤكد هذا الله تعالي في قوله:"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا" (طه: 124) .
وفي قوله:"كذلك يطبع الله علي قلوب الذين لا يعلمون" (الروم: 59) ، فهم من عدم إحسان استخدام عقولهم وإلغائها ووضع الأقفال عليها لم يَصِلوا للصواب وساروا