فهرس الكتاب
كما أنزل الله سبحانه الإسلام لعلاج النفس إذا مرَضت!، يقول تعالي:"وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين"،.. قال الإمام القرطبي في تفسيره:".. أي شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب وكشف غطاء القلب من مرض الجهل لفهم الأمور الدالة علي الله تعالي.. وقيل شفاء من الأمراض الظاهرة.."، وقال الإمام ابن كثير:".. أي يذهب ما في القلوب من أمراض..".
إن معظم الأمراض النفسية، إن لم يكن كلها، بسبب البعد عن الله والإسلام، يقول تعالي:"كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون" (المطففين: 14) ، قال الإمام الطبري في تفسيره:".. أي غلب علي قلوبهم وغمرها وأحاطت بها الذنوب.."، وقال أيضا:".. عن مجاهد: القلب إذا أذنب انقبض.."، وعلاجها كلها علاجًا كاملًا شافيًا ناجعًا لن يكون إلا بهما، يقول تعالي:"ومن يؤمن بالله يهد قلبه" (التغابن: 11) ، قال الإمام القرطبي:"..وقرأ عكرمة: يهدأ قلبه، أي يسكن ويطمئن..".
ولهذا، فليس هناك مسلم حق الإسلام يمرض نفسيا، إنما الأمراض النفسية تكون غالبا أو دائما في غير المسلمين كما هو ظاهر وواضح واقعيًا، لبعدهم عن ربهم ودينهم، أما المسلم فليس كذلك، إلا إذا صار مثلهم هو أيضًا بعيدًا عن ربه ودينه!.
كما يُفهم من قوله تعالي:"قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها" (الأنعام: 104) ، قال الإمام القرطبي:".. فمن استدل وتعرَّف نفع نفسه ومن عمي فلم يستدل فصار بمنزلة الأعمي فعلي نفسه يعود ضرر عماه ..".
إن أشهر الأمراض النفسية الآن: القلق والتوتر.. الاكتئاب والإحباط.. الخوف من المستقبل أو الآخرين أو الحياة.. الخجل والانطوائية.. الوسواس.. الإدمان وما شابه هذا.
إن أهم أسباب القلق ومعظم هذه الاضطرابات هي الحيرة وضيق النفس من عدم معرفتها بإجابات أشهر الأسئلة الأساسية التي تراود عقل أي إنسان في حياته، والتي جعلها سبحانه من رحمته وحبه لخلقه سببًا للتوُّصل إليه، والتواصل معه، حتى تسعد الحياة: لماذا ُخِلقت؟.. ما الهدف من حياتي؟.. من يعينني إن أصابني مكروه؟.. ماذا سُأرْزَق؟.. ماذا بعد الموت؟.. ونحو ذلك من الأسئلة المُحَيِّرَة.
والإسلام هو أهم معالج جذري لها، إن لم يكن الوحيد، ويعالجها بكل بساطة، بأن يجاوب بكل وضوح وتفصيل عن هذه الأسئلة التي لم ولن يقدر أحد علي الإجابة عليها، لأن أحدا ً لا يعرفها إلا إذا َوعَيَ رسالة ربه وهي شرعه ودينه ونظامه، ويعالجها بأن يطلب من العقل ترك الفطرة كي ترتبط بخالقها ويسير معها ويؤيدها! لأنها ُخِلقت أصلا موصولة به.
يقول الله تعالي:"ونفخت فيه من روحي" (الحجر: 29) .. قال الإمام الطحاوي في"شرح العقيدة الطحاوية":".. هذه إضافة مخلوق إلي خالقه.. وهي إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميزبها عن غيره.."، فإذا ما ارتبطت به واتصلت َأِمنَت واطمأنت، كما يقول تعالي:"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب". (الرعد: 28) .