فهرس الكتاب
بأن ربه لن يخذله، فهو إن قدر عليه ما يكره في الدنيا فلمصلحة آجلة لا يراها هو، قد تأتي في الدنيا بعد سنين وقد يدخرها الله له إلى الآخرة. وقد رأينا بأم أعيننا الكثير من الأمثلة على هذا.
وشعار المؤمن دائما في مثل هذه المواقف قول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة:216) ، وهذه حقيقة تريح النفس المؤمنة غاية الراحة، وتمنحها الرضا والطمأنينة في أقصى درجاتهما، فيا ليت قومي يعلمون.
أختي وفاء:
لعلك تقولين: مالي وهذا الكلام، لقد أطلت عليّ، ألا تدخل في الموضوع، ولكني أقول: هذه مقدمة لا بد منها بين يدي قصتك، فعندما أجبتك في المرة الأولى لم يكن المقام يتحمل الإطالة إذ كان الحوار مباشرا"استشارات إيمانية عامة"وكثير من إخواننا ينتظر جواب مسألته.
أما وقد عاودت استشارتنا- ونقدر لك هذه الثقة فينا- فينبغي عليّ توضيح الأمر من كافة جوانبه، وينبغي توقع ما تحبين وما تكرهين؛ لذا آثرت أن أبدأ بهذه المقدمة التي تعكس طبيعة شخصية المؤمن السوية الواثقة المطمئنة.
والآن دعيني مع استشارتيك نقلبهما معا، ونقف سويا عند بعض النقاط؛ منها ما هو لك، ومنها ما هو عليك أو أخشاه عليك؛ ففي استشارتك الأولى أكبرت فيك الصراحة والوضوح مع نفسك، وأكبرت فيك أيضا تَحرّيكِ لموقف الشرع والدين فيما تفكرين فيه وفيما تقدمين عليه.
ولكني في الاستشارة الثانية تراءى لي فيك قلق وتعجل وحيرة وتشوش ذهن- كما عبرت أنت- وخشيت عليك أن تجزعي من عدم القبول المتوقع من صديقتك وأهلها.
أختي، خطوت الخطوة وأنت فيها على حق وصواب؛ فلم تفعلي منكرا ولكني أعده حسن تصرف وقوة عزيمة، فلم العجلة إذن؟!.
تقولين: مر أسبوع ولم تأت صديقتي، وهل الأسبوع أو الأسبوعان بل هل الشهر أو الشهران كثير في مثل هذه الأمور؟!.
أظنك تتعجلين في غير مقام العجلة، وعلى كل حال فالمتوقع من صديقتك وأهلها أحد أمرين؛ القبول أو الرفض. فإن كان القبول فبها ونعمت، وهذا ما نرجوه لك من الله إن كان فيه خير، ولا تنسي أن تبشرينا به إن شاء الله.
أما إن كان الرفض فحسبك أنك أرحت ضميرك ونفسك من عناء لوم النفس طول العمر، فإنك لو لم تفعلي ذلك لقلت عند كل حادثة: ليتني صارحت من أحب بما في نفسي، أو على الأقل كنت ستحدثين نفسك بهذا.
وأراك مشغولة بالتفكير في سبب الرفض- لا قدره الله- وتقولين:"تنتابني أسئلة لا أعرف الرد: هل أخوها لم يقبل فلم تستطع المجيء لكونها لا تريد إيلامي بخبر الرفض أم أمها لم تقبل أم ربما أخوها طلب منها مهلة للتفكير في الأمر".
وأقول: فيم يعنيك السبب يا أختي؟.. أظن أن السبب لن يغير في واقعك شيئا، فأيا كان السبب فالنتيجة هي الرفض، هذا على فرض وقوعه لا قدر الله.