الصفحة 10639 من 35630

كما أحب أن تفرق يا أخي بين أمرين: يوضحان لك القضية بجلاء، الأول: أن علم الله بحدوث الأشياء هو من كمال صفاته سبحانه وتعالى، لا يجبرنا على فعل الشيء، فمثلًا- ولله المثل الأعلى- لو أن صانع ثلاجة قال لك: إنك إن أدرت مؤشر الثلاجة إلى درجة كذا سيكون درجة الثلوجة كذا، وإلى أدرتها إلى رقم كذا سيكون كذا، وإذا أحسنت التعامل معها بالطريقة الفلانية تستمر معك كذا سنة دون عطب، وإذا أسأت استخدامها بالطريقة الفلانية فإنها تفسد، لو أن صانع الثلاجة أو بائعها قال لك كل هذا عنها، أيكون عالما بالغيب؟!.. كلا.

إن مثله كمثل المعلم الذي ينظر إلى تلاميذه فيقول للأول: أنت ستحصل على مجموع 90% وأنت سترسب، ويأتي في نهاية العام فيحصل كل تلميذ على ما توقعه المعلم، أيكون المعلم بذلك قد أوحى إلى تلميذه الفاشل بالرسوب؟! لا، ولكنه يعلم من خلال رؤيته، وخبرته، وفراسته، ومعرفته بقدرات وإمكانات تلامذته مقام كل واحد منهما.

ولله المثل الأعلى، فالله عز وجل عالم بكل أمر، فعلمه من قبل بما سيكون وما يكون وما كان، ليس معناه أنه يجبرنا على ما نفعل، بل هو علم من لا يليق به جهلا بما خلق سبحانه وتعالى، فهو قد يسر لنا معرفة طرق الخير والشر، يقول تعالى: (وهديناه النجدين) . والنجدان هما: طريق الخير والشر، أي أتاه من سبل التفريق بينهما ما يمكنه من ذلك، (إنا هديناه السبيل إلى إما شاكرا وإما كافورا) [الإنسان: 3] .

الأمر الثاني: أن علم الله بكل شيء حدث وسيحدث، لا يلغي إرادة الإنسان، أو الشيطان، (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف: 29] . إن علم الله بما يحدث وما حدث وما سيحدث، أشبه- والله المثل الأعلى- كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:(قف أمام مرآة مجلوة صافية وأنت عابس الوجه مقطب الجبين، فماذا ترى؟ سترى صورتك كما هي عابسة مقطبة.

أي ذنب للمرآة في ذلك؟ إن مهمتها أن تصف وأن تكشف، وهي قد صدقت فيما أثبتت لك، ولو كنت ضاحك الوجه لأثبتت لك على صفحتها خيالا ضاحكا لا شك فيه. كذلك - ولله المثل الأعلى- صفحات العلم الإلهي ومرائيه لا تتصل بالأعمال اتصال تصريف وتحريك، ولكنه اتصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل. غاية ما يمتاز به العلم، أنه لا يكشف الحاضر فقط، ولكنه يكشف- كذلك- الماضي والمستقبل) [عقيدة المسلم ص 120] .

إبليس والغواية

كما أريد أن أنبهك إلى أمر مهم، وهو: أن إبليس ليس وحده سبب غواية البشر، بل هناك معينات أخرى، ومغويات ومضلات تجعل الإنسان يتنكب طريق الهداية، فهناك النفس الأمارة بالسوء، وهناك هوى النفس، وهناك أصحاب السوء، شياطين الإنس، وهم أشد على المرء من شياطين الجن، فشيطان الجن يكفيك أن تستعيذ بالله منه، وبالفعل عندما يتفكر الإنسان في بعض حيل الإنسان يراها أشد من حيل الشيطان، كما أن الشيطان يوسوس لك، وشياطين الإنس يغرونك بالحسي والمادي، بل ويصرون على متابعتك.

بل إن إبليس يصدر منه أحيانا ما ليس شرا منه، بل قد يسدي نصيحة، كما أسدى إلى أحد أنبياء الله نصيحة أنه ما انتصر عليه إلا مرة واحدة، أكل فيها نبي الله كثيرا، فنام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت