فهرس الكتاب
ثالثًا: إنَّ الله لا يجازي عبده المؤمن إذا تاب إلاَّ بالحسنى والغفران، بل يكفِّر الله سيئات من عصاه إلى حسنات، وهذا فضل من الله وإنعام منه على عباده، وتشجيعًا لهم في طرق أبواب التوبة والانطراح بين يدي الله- تعالى- وسؤاله المغفرة والعفو والرضوان، ومن كرمه - تعالى- على عباده أن يبدِّل سيئاتهم إلى حسنات، ولهذا يقول- سبحانه وتعالى-: (إنَّ الحسنات يذهبن السيئات) [هود - 114] ، ويقول: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا) [النساء- 31] .
رابعًا: إنَّ هذه الآيات- يا عزيزي- بشائر مفرحات، تجعل النفس العاصية لربِّها تتفاءل بما عند الله من غفران، وتمضي قدمًا إلى العمل الصالح والمزيد من البر والعمل الصالح. لهذا فإنَّه- تعالى- يقول: (لا تقنطوا من رحمة الله) ، وذلك لأنَّ المسلم قد يأتي بالذنوب الكثيرة، ثمَّ إذا همَّ بالتوبة قالت له نفسه الأمَّارة بالسوء: كيف يغفر لك ربك هذه المعاصي والفواحش التي اقترفتها وأنت الذي فعلت كيت وكيت، فيستحيل أن يغفر لك ربك هذه المعاصي!.
ولكن لسعة رحمة الله- تعالى- فإنَّه يقول: (لا تقنطوا من رحمة الله) ، وهذا خطاب للمذنبين والمقصِّرين في حقوق ربِّهم أن لا يقنطوا من رحمته، ولا ييأسوا من غفرانه وعفوه، فإنَّ لله الرحمة المطلقة، فليعمل الصالحات وليبشر بفضل الله فقد قال- تعالى-: (وإنِّي لغفَّار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثمَّ اهتدى) [طه-82] .
خامسًا: بعد هذا الإيضاح أنصحك ألاَّ تلتفت إلى الوساوس التي توسوس لك بأنَّك على باب الموت، وأنَّ شبح الموت يطاردك، ويجعلك كئيبًا ومهمومًا وحزينًا نعم أخي الموت حق، وكلٌّ يخاف منه ولا يحبُّه، وكلٌّ منَّا سيلج مدخله، كما قيل:
الموت باب وكلُّ الناس داخله *** يا ليت شعري! بعد ذاك ما الدار؟
والرسول- عليه الصلاة والسلام- أوصانا بكثرة تذكره فقال: (أكثروا ذكر هادم اللذات) أخرجه الترمذي وحسَّنه، ولكنَّ الإكثار من ذكر الموت يجعلنا نزيد سرعة في اللجوء إلى الله، والعمل لمرضاته، والتقرب إليه بسائر أنواع العبادات.
فلا تكن أيَّها الحبيب وساوس الموت قاطعة لك عن العمل الصالح، ومشغلة لك عن الطاعات، وتبقى تدور في دائرتها، إلى أن تكون مريضًا بالوساوس والهموم، ومن ثمَّ تنتقل من المعاصي إلى العجز والكسل والتفكير السلبي الذي لا يفيد شيئًا، بل يودُّ الشيطان لو ظفر من المسلم بذلك، والرسول عليه السلام يقول: (احرص على ما ينفعك ولا تعجز) أخرجه مسلم، ويقول (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أخرجه مسلم.
إذًا اجعل توبتك هذه محفِّزة لك في المضي في درب الهداية، والابتعاد عن طريق الغواية، واعلم أنَّ الموت طريق الكل في هذه الدنيا، ولكنَّ المسلم يستغلُّ لحظات الحياة بكلِّ ما يرضي ربَّه ويسارع إلى مرضاته، وإن لقي ربَّه فمات فيا سعادته بلقاء ربِّه!
وأخيرًا؛ أحب أن أوصيك وأذكرك ونفسي بهذه النصائح:
أولًا: أكثر من الدعاءبأن يشرح الله صدرك، ويرزقك حلاوة الإيمان، وأن يثبتك على دينه، ويكون لسان حالك بين يدي ربِّك: