الصفحة 10668 من 35630

و والله يا أخي ما في هذه الحياة خير وأفضل مما قضى الله وقدر لنا، نعم قد نرى الشر ظاهرا ولكن الحقيقة أننا لا ندري خلف هذا القضاء شيئا. والله يا أخي له حِكَم في قدره يخفيها عنا لتكمل بذلك حقيقة الامتحان والاختبار في هذه الدنيا.

ومع ذلك لم يترك المؤمن ليتخبطه الشيطان وإنما أنزل له من القرآن ما يشفي صدره ويذهب عنه الهمّ حتى وإن لم يعلم مراد الله من قدره، يقول سبحانه:"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (سورة البقرة: 216) .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن".

فثق في الله يا أخي، وإياك أن تحدثك نفسك بأن الله- وحاشا لله- يظلمك أو يعذبك أو يبتليك هكذا عبثا. وأقل ما تخرج به من بلائك هذا لو آمنت وأحسنت الظن بربك أن تغفر ذنوبك أو ترفع عند ربك درجات.. وفي الوقت نفسه اسع ما وسعك الجهد لأن تُنهي هذه الحالة التي أنت فيها.

وأما عن تمنيك الموت فأنقل لك كلمات عطرة للشيخ حسنين مخلوف رحمه الله- من علماء الأزهر الشريف: لا يجوز للمسلم أن يَتمنَّى الموت إذا مَسَّهُ مكروه وامْتُحِنَ في حياته بما يَضُرُّه ويؤذيه في نفسه أو ماله أو جاهه، بل يصبر على ما أصابه فإن ذلك من عزم الأمور، ويحتسب أجر ذلك عند الله تعالى وهو ولي الصابرين، وروَى أنس بن مالك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:"لا يَتمنَيَنَّ أحدكم الموت لِضُرٍّ نَزَلَ به في الدنيا، لكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي".

ونهَى المؤمنَ عن تمني الموت إذا نَزَلَ به ضُرٌّ وأُمِرَ أن يَلْجَأ إلى الله سبحانه مستعينًا به سائلا خير ما عنده له.

وأما قول الله تعالى على لسان يوسف عليه السلام:"تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ"، فقد قال ابن حزم: إنه ليس استعجال الموت المنهي عنه، بل هو دعاء بالله يتوفاه الله تعالى إذا توفاه إلا مسلمًا (من كتاب المحلَّى) . فهو دعاء بطلب الخير المحبوب.

وهكذا الإسلام يربي النفوس حتى في خلجات الصدور وأحاديث النفس، فينهاها عن تمني الموت فرارًا من تكاثر المِحَن، ويَحُثُّها على اللِّيَاذ عند ذلك بالله تعالى واستمداد العون منه على كشف الضر وتفريج الكرب، وعلى الخير والرضا عند نزول المكاره بالقضاء، فإذا أخذ المؤمن نفسه بذلك كان من أولي العزم الأقوياء واستحق أجر الصابرين ونال درجة المقربين.

أما الاستسلام للوساوس والجَزَع عند المكاره وتمني الخلاص منها بالموت فذلك ضعف وخَوَر، ونقص في الإيمان والثقة بالله تعالى، ونسأله تعالى التثبيت واليقين. والله أعلم.

وختاما؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت