الصفحة 10688 من 35630

وعلى سنن الصحابة مضى التابعون فأُثِر عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه أنه قال:"ما دخلت قط في صلاة فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي"، وقيل لعامر بن عبد الله بن قيس: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة ؟، قال: نعم، بوقوفي بين يدي الله عز وجل، ومنصَرفي إلى أحد الدارين، فقيل له: لا، إلا بما نحدث به أنفسنا من أمر الدنيا، وما يوسوس به الشيطان إلينا، فقال: لأن تختلف الأسنة (الرماح) في صدري أحب إلي من ذلك، لله درّ القوم وقد تعلقت بالصلاة قلوبهم وعقولهم وأجسادهم.

إن الله ربط مدح المصلين بخشوعهم حين قال: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2] ، والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرًا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبًا بين يدي ربه، مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أولها إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد.

فالصلاة التي لا خشوع فيها للجسد ولا حضور فيها للقلب، وإن كانت مجزئة مثابًا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها، فعليك -رحمك الله- أن تحضر قلبك في صلاتك جهد استطاعتك ومبلغ طاقتك، وألا تصرفه ها هنا ولا ها هنا، وألا تمر به هكذا ولا هكذا، وأن تدفع عنه الخواطر المائلة به، والأحاديث الشاغلة له، وأن تسمع ما تقرأ، وتعقل ما تفعل، فإنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت ولا يكتب لك منها إلا ما فيه حضرت"، فأين قلوبنا في الصلاة؟"

سابحة في بحار الدنيا، غارقة في هموم الحياة حتى لا تكاد تعقل من صلاتها شيئًا، يَقُولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا ) [ رواه أحمد] ، اللهم رحمتك وعفوك.

أخي الحبيب:

هل هذه الصلاة يصلح أن نقف بها بين يدي الله ؟ وهل هي التي يرضى عنها الله ؟ وهل هي التي يصح أن نرفعها إليه ؟!

قال بعض السلف: الصلاة كجارية تُهدى إلى ملك الملوك، فما الظن بمن يُهدي إليه جارية شلاّء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو ذميمة أو قبيحة حتى يُهدي إليه جارية ميتة بلا روح.. فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وليس العمل الطيب صلاة لا روح فيها.

أخي الحبيب:

إذا قمت إلى الصلاة فتذكر من أنت إليه قائم، وبين يدي من أنت واقف، واعتقد نفي ما يجري عليك من الخواطر المذمومة، فإذا فرغت فاستغفر الله عز وجل، فإنه سبحانه يقبل العقد الأول والآخر، ويغفر ما بينهما برحمته تبارك وتعالى، وكما يجب ألا تصرف وجهك عن قبلتك في صلاتك، فكذلك لا تصرف قلبك عن ربك.

استحضر عظمة ربك، وتدبر في صلاتك في كلماتها ومقاماتها وحركاتها من أولها إلى آخرها واعلم أنه"ينبغي للعبد إذا قال في صلاته (الله أكبر) عند افتتاحها، أن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت