فهرس الكتاب
يكون ذكر الله في قلبه أكبر وأعظم من أن يذكر معه سواه، أو يخلط بذكره بذكر شيء من دنياه إجلالًا له وتعظيمًا.
فإن معنى تكبيرة الإحرام أن الذي يقوم إلى الصلاة إذا كبر تكبيرة الإحرام فقد حرّم على نفسه كل ما كان مباحًا له قبلها من الاشتغال بالدنيا ومعاشها، وما كان فيه من مخالطة أهلها، وأما من كان في صلاته مقبلًا على سهوه وغفلاته، فليس لصلاته تحريم، ولا لمناجاته حين يناجي ربه فيها تعظيم.
كان ابن الزبير رضي الله عنه إذا قام إلى الصلاة كأنه عود، وكان علي بن الحسين رضي الله عنه إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له، فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي، وكان إذا توضأ أصفر، ومثله كان وكيع رضي الله عنه إذا قام إلى الصلاة لا يتحرك منه شيء، ولا يزول ولا يميل على رجل دون الأخرى.
وقيل عن محمد بن نصر المروزي رضي الله عنه: ما رأيت أحسن صلاة منه، وبلغني أن زنبورًا قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك.. ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيئته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة.
ولعلك لا تعجب حينئذ من قول سفيان الثوري رضي الله عنه: لو رأيت منصور بن المعتمر يصلي لقلت: يموت الساعة"، ولا من قول"أبو بكر بن عياش: رأيت حبيب بن أبي ثابت يصلي وكأنه ميت - يعني من خوفه وخشوعه"لأن القوم قد ملأ الخشوع قلوبهم فسكنت جوارحهم."
ولا عجب من ذلك فقد سبقهم إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاياهم وأعمالهم، فهذا جندب بن عبد الله رضي الله عنه يقول:"وإذا وقفتم بين يدي ربكم للصلاة فاجعلوا الجنة والنار بين أيديكم والميزان والصراط حولكم كأنكم تقولون: { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} (18) ، وهذا"الفاروق عمر رضي الله عنه غلبه البكاء في صلاة الصبح حتى سمع نحيبه من وراء ثلاثة صفوف.
والجميع مقتدٍ برسول الهدى صلى الله عليه وسلم مستضيء بهديه فقد ذكر مالك رضي الله عنه في الموطأ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ- رضي الله عنه- لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةً شَامِيَّةً لَهَا عَلَمٌ فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ( رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أبِي جَهْمٍ فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي) ، وذلك لتقتدي به في ذلك أمته، يتفرغون لصلاتهم بترك ما يشغلهم عنها، ويفتنهم فيها وهذا أصح والله أعلم.
أخي الحبيب:
إذا خشع قلبُك وحضر انطرد وسواسك، وقصُر عليك من الصلاة ما طال على غيرك، وقد رأيت صلاة القوم وخشوعهم وسكونهم ودموعهم، فإنه وإن كانت أجسادهم قائمة وراكعة وساجدة فإن قلوبهم مصلية، هكذا كانوا فكن مثلهم .. إن التشبه بالرجال فلاح وتابعنا بأخبارك وأخبار صلاتك
ـــــــــــــــــــ
علاقة الترفيه بالإيمان.. طردية أم عكسية ؟ العنوان