فهرس الكتاب
بزيادة التوفيق، وإن توفي فعليه رحمة الله ،ونسيت من ألقى الثانية، ولعله كان أخانا وابن شيخنا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليه، وجئت وفاء بوعدي ،فوجدت حجابًا كاملًا ، وجوًا إسلاميًا شاملًا ،ولا عجب في ذلك ومديرة المدرسة ، هي أم الأساتذة النجب العلماء: الدكتور عبد الله نصيف ،وأخوة الدكتور عبد العزيز وسائر الأخوة الأفاضل .
وأخذت معي زوجتي وبنتين لي حضرن معي من الشام، وكان اجتماعا موفقًا والحمد لله.
ولما كثرت الطالبات في كلية التربية في مكة، ولم يكن هذا الرائي (التلفزيون) الداخلي الذي تلقى منه اليوم الدروس على البنات، فيسمعنها ويرين المدرس ولا يراهن، كلفت بتدريس الطالبات في مسكنهن في الحفائر وكانت المشرفة عليهن يومئذ الأساتذة السيدة إصلاح .
فوجدت الطالبات مستعدات، وكن بالحجاب السابغ، ولكن منهن من يبدين الوجوه فقط ، فألقيت عليهن الدرس كما ألقيه على الطلاب، أشرح لهن كما أشرح لهم ، وأجيب على أسئلتهن ، كما أجيب على أسئلتهم، ومر العام بسلام ، فلما كانت التي بعدها كثر الكاشفات عن الوجوه، ثم أخذ بعضهن يرتفعن بالخمار قليلًا، حتى يكشف عن بعض الشعر، فقلت: لا، إني في السن كالجد لأكبركن، ولكني لا أعدو أن أكون رجلًا أجنبيًا، وإن جاز كشف الوجه من غير فتنة بالمرأة ولا فتنة عليها ، ولا خلوة للأجنبي بها، فلا يجوز تجاوزه إلى الشعر ولا إلى العنق ، ولا تجاوز الكفين إلى الذراع ، والستر مع ذلك كله أولى وأفضل [1] . (ذكريات 8/270-275) .
* توجيهات لأهل هذا البلد:
-أنا أحمد الله على أن مدارس البنات هنا في المملكة لا تزال على خير ، ولكن كل صحيح الجسم معرض للعدوى ، إذا كان يحف به من كل جانب من يحمل جرثومة المرض، وإذا نحن لم نتخذ أسباب الوقاية كلها ولم نبق على حذر دائم أصابنا المرض . (ذكريات 8/280- 283) .
-المملكة هنا لا تزال بحمد الله خيرًا من غيرها، ولا يزال لواء الدين فيها مرفوعًا، وصوته مسموعًا، ولكن على كل صحيح الجسد أن يتخذ أسباب الوقاية من المرض، وأن يسأل الله النجاة منه, والدين لا يمنع من الأخذ بأسباب القوة، ومجاراة الأمم في ميدانها, ولا يحول بيننا وبين النافع من نتاج الفكر ، ولا من ثمرات الحضارة , ومن عرف هذه البلاد قبل خمسين سنة كما عرفتها ، ورأى ما وصلت إليه الآن، في كل ميدان، من غير أن تفرط في شيء من عقائدها ، أو تدع كثيرا من فضائلها ومن سلائقها، أدرك أن من أراد الجمع بين التمسك بالدين الذي يكون به النجاة في الآخرة، وبين أعلى درجات التمدن والحضارة ، التي يكون بها السمو والفخار في لدنيا وجده سهلًا ممكنًا . ( ذكريات 5/ 243) .
-هذا الذي سردته ليس منه والحمد لله شيء في مدارس المملكة ، ولا تزال على الطريق السوي ، ولكن من رأى العبرة بغيره فليعتبر ، وما اتخذ أحد عند الله عهدًا أن لا يحل به ما حل بغيره إن سلك مسلكه ، فحافظوا يا إخوتي على ما أنتم عليه ، واسألوا الله وأسأله معكم العون, إن المدارس هنا لا تزال بعيدة عن الاختلاط ،