فهرس الكتاب
قرأت الكثير عن الموت، وعذاب القبر، والجنَّة والنار، وعن الإعجاز العلميِّ في القرآن الكريم، فيلين قلبي بعض الوقت لتعاودني هذه الشكوك اللعينة ثانية، كما أنَّني أصلِّي وأصوم، وأفعل كلَّ ما يرضي الله تعالى، إلا أنَّ قلبي غير مطمئنٍّ تماما، فأنا كالذي ينتظر بشوق القطرة التي معها ستفيض لذَّة الإيمان في فؤادي إن شاء الله.
السؤال
الدكتور محمد منصور المستشار
الرد
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..
أخي الكريم:
إنَّ قوَّة الوساوس وكثرتها تدلُّ على قوَّة الإيمان وشدَّته وليس ضعفه وقلَّته، فقد سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الوساوس التي تصيبك، وتصيب كلَّ مؤمنٍ أيضا، فقال:"ذاك صريح الإيمان" (رواه مسلم) .
ومعنى هذا أنَّ الشيطان يوسوس للمؤمن بوساوس تزداد تدريجيًّا كلَّما ازدادت قوَّة إيمانه؛ لأنَّه يريد أن يهزمه ويجعله عاصيًا لربِّه غير متَّبع لإسلامه الذي جعله لسعادته فيكون رفيقه في النار يوم القيامة، فإن رآه مؤمنًا ضعيفًا مفرِّطًا في إسلامه هزمه بأقلِّ وسوسةٍ ككذبةٍ أو نظرةٍ محرَّمة أو نحو ذلك، وإن رآه مؤمنًا قويًّا متمسِّكًا بإسلامه، علم أنَّه لن يهزمه إلا بوسوسةٍ قويَّةٍ مناسبة، كعدم وجود إلهٍ أو حسابٍ أو جنَّةٍ أو نار.
إنَّ هذه الخواطر لا إثم عليها ما لم تتحوَّل إلى قولٍ أو عمل، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلَّم" (رواه البخاريُّ ومسلم) ، بل لها ثوابها في الآخرة، ثواب مقاومتها والصبر عليها، كما قال تعالى:"إنَّما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب".
فهي من الابتلاءات التي تكفِّر الذنوب، والتي يختبر بها الله تعالى صدق من ادَّعى الإيمان، وهل سيستمرُّ فيه أم لا، والتي غالبًا ما يخرج منها المسلم مستفيدًا بعد اتِّخاذه لوسائل التغلُّب عليها - إضافةً إلى ثواب الآخرة - زيادةً في إيمانه، وصبرا، وجَلَدا، وتدريبًا على تحمُّل أعباء الدنيا، فيربح فيها ويتمكَّن من أداء ما أوجبه الله تعالى عليه من حُسن إعمارها وخلافته فيها.
ويمكنك -أخي الكريم- التغلُّب على هذه الوساوس بالاعتقاد وبالفعل:
والاعتقاد هو:
1-أن نتدبَّر مخلوقات الله تعالى:"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"،"قل انظروا ماذا في السماوات والأرض"من إنسانٍ وحيوانٍ ونباتٍ وجماد، فإنَّ ذلك ولا شكَّ يزيد الإيمان ويجدِّده ويقوِّيه، ويؤكِّد بما لا يدع مجالًا للشكِّ وجود خالقٍ لهذه المخلوقات؛ لأنَّ الأثر يدلُّ على المسير، أي لو رأيت أثرًا لأقدامٍ في الصحراء، فذلك يؤكِّد سير إنسانٍ حتى ولو لم تكن تراه، فكذلك وجود الله تعالى يظهر أثره في مخلوقاته حتى