فهرس الكتاب
حتى لو وصل الأمر بهما إلى الكفر {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ( العنكبوت:8) ، {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ( لقمان:15) ، فلا بد من الأدب معهما في كل الأحوال حتى ولو وصل الحال إلى الكفر والشرك فلهما حق البر والمصاحبة.
وقد قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين بالشرك بالله حيث قال:"إن من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس؛ وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة" (أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن حبان في صحيحه) .
ولنا في خليل الرحمن إبراهيم القدوة الحسنة إذ ابتلي في أبيه الذي كان يصنع الأصنام فماذا فعل معه؟ وكيف دعاه ؟ .. يقول الله عز وجل في كتابه عن هذا الموقف العصيب: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} (مريم:41-47) .
هكذا ظل الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو والده بكل أدب واحترام وود، واختار أفضل وأرق الأساليب {يَا أَبَتِ} كي يستميل قلب أبيه ويدعوه بالحسنى، ولكن أباه أبى واستكبر فماذا قال له {سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} .
أعلم جيدا أن الأمر شاق عليك وصعب ولكنه الابتلاء يا أختاه {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2) ويبتلى المرء على قدر إيمانه، وأشد الناس بلاءا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
فلتنصحي والدتك بالحسنى، وتقربي إليها وتوددي لها، واجعلي بينك وبينها حبل مودة ترسلين عليه ما تشائين من نصائح، فالوصول إلى القلب مهارة لا بد منها في الدعوة إلى الله، ولئن يهدي الله بك والدتك خير لك من الدنيا وما فيها مصداقا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأوصيك ببعض النصائح التي أرجو أن تكون نافعة في تعاملك معها وهي:
* عليك أن تأخذي بيدها ولا تفضحيها فمن ستر مسلما ستره الله .
* أحضري لها الشرائط والكتيبات بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
* تحدثي أمامها عن أمهات المؤمنين، وعن الأخوات الملتزمات وكأنك لا تعرفين شيئا مما يحدث.
* اصبري كثيرا في نهيها عن المنكر فقد قال الله تعالى على لسان لقمان الحكيم: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان:31) . فجاء بالصبر بعد النهي عن المنكر لما له من عواقب تستدعي الصبر وقوة العزيمة.