فهرس الكتاب
السرائر، ويكشف عن مخبوء النفوس، وما تستره من طقوس، فنسأل الله لكِ ولنا الستر والسداد، والعتق يوم التغابن من نار تلظى.
الثناء من قبل العبد على الله تعالى يحوي معان هي: المدح، والشكر، والحمد، وبين هذه الألفاظ عموم وخصوص، فالحمد والشكر، يقول فيهما العلامة الشنقيطي:
فالحمد بالثناء مطلقا بدا *** كان جزاء نعمة أو ابتدا
والشكر ما كان جزاء للنعم*** فالحمد من ذا الوجه وحده أعم
والشكر يأتي عند كل شارح***بالقلب واللسان والجوارح
والحمد باللسان لا غير وسم***فالشكر من ذا الوجه وحده أعم
فالحمد هو الثناء والمديح المطلق لله عز وجل، سواء كان المدح أو الثناء جزاء نعم الله على العبد، أو هو الشكر ابتداء من غير ارتباطه بنعمة محددة. والشكر مرتبط دائما بنعم الله على العبد، كما أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح، من حيث امتثال الأخيرة لأوامر الله تعالى. والحمد يكون باللسان فقط، والشكر كما مضى أعمل وأشمل.
يأتي الثناء ها هنا ليكون هو تاج العارفين الذي يحوي الشكر والحمد معا، وهو يتميز كونه من اللسان، لكنه ذو صلة بالقلب، بل هو من القلب ينبع، وعلى قدر الثناء وما يتلفظ به العبد لله تعالى من ألفاظ حِسان يكون هو حال القلب ومدى تعلقه بالرب الكريم المتعال.
والثناء يكون بقدر عظم مكانة الرب في قلب العبد، ومدى معرفته بجلاله وكماله، ومدى حياة القلب بجمال الله تعالى، وأسمائه وصفاته. لذا يبرز هنا أمر مهم، وهو: مدى معرفة العبد بربه وما يتصف به، كي تخرج تلك المعاني القلبية، إلى ألفاظ مبنية فيكون ثمة الإبداع في مبدع الكون سبحانه وتعالى.
فلا غرو أن نجد النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح: ( إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة) .
وهذا الإحصاء لأسماء الله تعالى ليس المراد به الحفظ اللساني والقلبي عن ظهر غيب، دون التمعن والتدبر في معاني هذه الأسماء، بل دون التحرك بها في واقع الحياة، وصناعة الأمور، فكل اسم لله تعالى له معنى، يراد للعبد أن يتحقق به، في قلبه حتى يتشربه، فيكون منه التأثر بدرجات، فيكون ثمة الحمد، ويكون الشكر، ويكون أبرزها الثناء على ذي الجلال والكمال.
فكما أن معاني أسماء الله وصفاته لها أثر في كيفية المدح وألفاظه، فإن غزارة المعاني القلبية في قلب العبد لها أثرها الكبير أيضا، من حب وخوف ورجاء وتوكل، ونحو ذلك ، فمن كانت هذه المعاني في نفسه باهتة وغير متفاعل معها، أنا له بمدح الله تعالى، إلا وهو مفرغ المضمون.
إضافة لغزارة المادة التعبيرية، فمن كان دائم الاطلاع على كتب الرقائق، تجدينه يأخذ منها ويصطاد المعاني الطيبة، ويسجلها ويدونها، ويرددها، بل ويعيش معها، فتكون بعد فترة- بحسب الحال- هي معانيه وهي ألفاظه.
وهو أمر من توفيق الله تعالى، يوفق له بعض عباده الصالحين، لأنه من أعظم القرب وأجلّها عند الله تعالى، ومهما يوفق العبد لأبواب الثناء على الله تعالى، لا يقدر على