فهرس الكتاب
وأما إن لم يكن هذا الأمر خطبة بالطريقة المشروعة، كما هو متعارف بين شباب اليوم، فأوصيك بالبعد عن هذه الفتاة، وسل الله أن يرزقها خيرا منك، وأن يعوضك خيرا منها، وحيث إنك لم تستطع بعد الزواج ولم تقدر على مؤنته فعليك بالصيام فقد قال صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء.."رواه البخاري في النكاح (5065) ومسلم في النكاح (1400) .
الرابعة: وهي تتعلق بالخشوع وهو لب الموضوع، فاعلم أخي الحبيب أن الخشوع توفيق من الله وهو ضراعة القلب، وطمأنينة فيه، وسكونه لله جل وعلا، وانكساره بين يديه، ذلاّ وافتقارًا. ولا يوفق إليه إلا الصادقون من خلقه.
واعلم أخي الحبيب أن محل الخشوع: القلب، وأن ثمرته تظهر على الجوارح، وقد قيل: إذا ضرع القلب، خشعت الجوارح، وذلك أن القلب مَلِك البدن، وأمير الأعضاء، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". رواه البخاري في الإيمان (52) ومسلم في المساقاة ( 1599) .
وقد لام الله صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعاتب من لم يبلغ هذه الدرجة فقال سبحانه: (أََلَمْ يًَانِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16] .
والمتأمل لحياة النبي صلى الله عليه وسلم يرى أنه بلغ الذروة من الخشوع، وكان من خشوعه أن يرى في صلاته وفي صدره"أزيز كأزيز الرحى ـ أي الطاحون ـ من البكاء"رواه أبو داود، (904) وذكره الألباني في صحيح أبي داود (799) .
وربما بكى صلى الله عليه وسلم"فبلّ حِجْرَه، ولحيته، والأرض تحته"رواه ابن حبان (620) وصحح محققه إسناده.
ومن السلف من كان يقوم في الصلاة كأنه عمود تقع الطيور على رأسه من شدة سكونه وإطالته، ولهم في ذلك أحوال يطول منها عجبنا؛ لأننا لا نرى ذلك في واقع حياتنا.
ويمكن تحصيل الخشوع بالأمور الآتية:
1.الإقبال على كتاب الله الكريم تلاوة وفهما، وتدبرا وعملا.
2.إدامة النظر في ملكوت الله، وطول التأمل وكثرة التدبر فيما خلق.
3.المسارعة في الطاعات، واستباق الخيرات.
وأحسب أنك على الطريق إن شاء الله، فقد قلت أخي الحبيب: (إنني يقشعر بدني عند تلاوة القرآن) وهذه القشعريرة ـ أسأل الله أن يديمها عليك ـ هي أثر عظيم من آثار الخشوع، وقد قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ) (الزمر: 23) .
أما البكاء خوفا من الله فحرصك عليه أمر محمود، فنعمة البكاء خوفا من الله يحسد عليها أصحابها، وكيف لا وقد قال صلى الله عليه وسلم:"عينان لا تمسهما النار: عين"