فهرس الكتاب
كأن منطقتنا العربية قد صارت مزرعة خلفية لوكالة المخابرات الامريكية ، يجيء ويذهب مدير الوكالة (تينت) ، ويصرح ، ويبتسم ، ويغضب ويسم المقاومة بالإرهاب وهو يقف محتضنًا بقوة يد (شارون) ، معلنًا بكل ميراث العنصرية الامريكية، أن الخجل لم يعد له وجود في سياسة دولته ، أو في عمل أجهزتها الأمنية ، وأن ما كان يتم قبل 11 سبتمبر / أيلول 2001 ، في الخفاء ، يحدث الآن علنًا وبلا حياء من طرفي العلاقة: الوكالة وبعض حكام هذه المنطقة وأيضًا أجهزتهم الأمنية والسياسية والتي لم تعد فقط تخفي علاقاتها بهذه الوكالة ؛ بل تتفاخر بها في مشهد شديد البؤس ، والإهانة لكل صاحب ضمير ؛ يمتلك عزة أو دينًا أو روحًا عربية تخاف الله وتحرص على مستقبل هذه الأمة قبل حرصها على عروش الحكام ومصالحهم الضيقة .
إن هذه الحالة غريبة الشأن تحتاج إلى وقفة تأمل ؛ وقفة نفهم من خلالها كيف أصبح (المجرم) حَكَمًا، بل ومرجعًا في قضايانا وخاصة قضية فلسطين ؟ وكيف أنيط به - وياللسخرية المُرة - إعادة بناء أجهزة أمن بعض دولنا.
كيف أصبح الأمر كذلك .. وإلى أين تأخذنا هذه (الكوميديا السوداء) في المشهد السياسي الرسمي العربي بعلاقاته الدافئة مع أخطر وكالة مخابرات عرفها العالم خلال الـ 60 عامًا الماضية ؟ ذلك ما نحاول أن نجيب عليه في السطور التالية .. علّ ما نكتبه يفيد.
النشأة والتطور
إذا ما عرفنا نشأة وتطور هذه الوكالة وتاريخها الأسود .. عرفنا لماذا يرفض كل صاحب ضمير تحركها في المنطقة، وبداية يحدثنا التاريخ أن نشأة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية يعود إلى أجواء الحرب العالمية الثانية ، وتحديدًا بعد أن تم تدمير الأسطول الأمريكي في (بيرل هاربور) ، وشعور الرئيس الأمريكي وقتها (ترومان) بأن الحاجة إلى إدارة لجمع وتنظيم (المعلومات) باتت ضرورة لأمن الجيش والشعب الأمريكي ، فاستدعى الادميرال (وليم دنوفان) وهو ضابط أمريكي كبير ومهم شارك في الحرب العالمية الأولى وطلب منه إنشاء (إدارة للخدمة الاستراتيجية) سرعان ما تم حلها لكي يُنشأ بدلًا منها هيئة أكبر وأشمل تسمى (الهيئة القومية للمخابرات) وذلك في (22/1/1946) تتبعها هيئة أصغر سميت وقتها بـ (جماعة المخابرات المركزية) وتولى الادميرال (سيدنى سويزر) منصب أول مدير لها وقام عمل هذه الجماعة / الوكالة على جمع وتنظيم وتوصيل المعلومات فحسب ، دون الانتقال إلى العمل المباشر ، وهو ما أسماه رجل المخابرات المركزية الأقوى - فيما بعد - آلان دلاس -"بالعمل السلبي"للمخابرات ، وطالب بعد أن تولى رئاسة الوكالة (C- I - A ) بالعمل الإيجابي ، وكان يقصد به التدخل وإعادة صياغة وتشكيل الأحداث في العالم كي تتماشى مع المصالح الأمريكية التي صارت مهددة باعتبارها قوة عظمى بعد انهيار القوة العظمى الأكبر وقتها: بريطانيا ، إثر الحرب العالمية الثانية.
وبدءًا من عام 1953 تولى آلان دلاس الذى اشتهر وقتها بعدائه لمصر وبرغبته في تصفية عبد الناصر ورفاقه جسديًا ، تولى رئاسة المخابرات المركزية وبدأت سلسلة من العمليات (القذرة) للوكالة وقد سميت كذلك ؛ لأنها تتم في الظلام والخفاء وبأسلحة