فهرس الكتاب
كثيرون أولئك الذين يحسنون أن يمثلوا دور الضحية لأنه دور لا يتطلب جهدا ولا عرقا، ولا مغامرة ولا كدا. لكن القليل - بل وأقل من القليل- يحسنون القيام بدور الفارس الشجاع الذي لا يدع الأيام تغلبه.
لقد أخطأت حين هيأت لك نفسك أن العيش مع أمك وأختك وزوجها عبئا. وكان الأولي بك أن تحمد الله أن هيأ لك مسكنا تعيش فيه برفقة أهلك، وتبر أمك حتى تدخل الجنة. فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ويل لمن أدرك أبويه أو أحدهما عند كبره ولم يدخلاه الجنة".
وكان أولي بك وقد فقدت والدك أن تعمل في الإجازة الصيفية؛ لتعود نفسك تحمل المسئولية، والتكسب من عرق الجبين. ولتتذكر أن من بات كالا من عمل يده بات مغفورا له. وتعلم أن المسلم مطالب بأن يكون محترفا. ولا تسلني في أي شيء أعمل وقد ضاقت على الأرض بما رحبت؛ فالله لا يرد من يطلب من فضله، ولا يمنع خيره من أحد. وما علينا إلا أن نطرق أبوابه سبحانه؛ متذرعين بالصبر، متسلحين بالأمل.
ثم عن أي عبء تتحدث حين تخبرنا أن المستوى التعليمي بينك وبين أختك كبير والبون بينكما شاسع؟ إن هذا يفرض عليك مسئولية تسعد بها بدلا من أن تتذمر منها. ودورك حينئذ دور القائد والقدوة.
ألا يسعدك أن تكون أنت الموجّه لمن لم ينالوا حظا من التعليم من أهلك؛ سيما وأنت كبير في أعينهم وعظيم في قلوبهم ؟، ألا يسرك أن تتولى دفة القيادة وتكون المرجع لهم في كل شاردة وواردة ؟، إن تعليمك الجامعي يعطيك هذه الفرصة؛ خاصة وأن العلم لابد وأن يصطحب بعلم التعامل مع الناس، وجذب أبصارهم، واكتساب قلوبهم.
ثم نأتي إلى بيت القصيد؛ وهو حقدك على زميلك المتفوق الذي يتخذه الناس قدوة وترى أنك أولى منه بهذا. لاسيما وأنه - كما تدعي- ليس على نفس درجة التزامك. وهنا ليّ وقفات: أولها أن الالتزام ليس كلمة تقال ولا عنوانا؛ وإنما هو معطيات وبراهين.
ثم إن الالتزام الديني ليس كافيا وحدة لإدراك التفوق وإحراز النجاح. فكم من أناس ادعو أنهم ملتزمون ورسبوا؛ بل وفشلوا تماما في حياتهم. إن الله - عزوجل- سمى نفسه العدل، وحكم بين عباده بالعدل. ومن جملة عدل الله أنه لا يسويّ بين من يسهر الليالي منكبا على كتبه حافظا لدرسه؛ وإن كان قليل الالتزام، أو حتى غير مسلم. وبين من ينام طويلا، ويلعب طويلا، و يهمل دروسه بدعوى أنه ملتزم!.
إننا معاشر الملتزمين نعيش أزمة عدم فهم مصطلح الالتزام. وهي أزمة لا يتسع المقام هنا للحديث عنها غير أن من أطيافها أننا نظن أن الله - يجب أن- يكرمنا بالتفوق لأننا ملتزمون. إن الله لا يحابي أحدا لجنسه ولا لونه ولا التزامه؛ إنما هى أسباب ونتائج. فمن تعاطى الأسباب وصل. ومن تمسك بالنصر حصل.
ودليل ذلك أن الغرب يموج بمن لا يتبعون دينا؛ ومع هذا فهم جادون في أعمالهم، منظمون في حياتهم، رتبوا أمورهم علي إحراز أهداف محددة، ووصلوا لما أرادوا؛ لأنهم أخذوا بالأسباب.
إن من أبجديات الالتزام التي تفتقدها أنت - أخي الحبيب- الرضا بما قسم الله لك. ومن أجل هذا تحس بأثقال شديدة تكبل قلبك. تأمل معي قول الحبيب- صلي الله عليه وعلى