فهرس الكتاب
العبادة التي هي لله وحده إلى غيره من الخلق ولو كانوا أنبياء أو ملائكة أو أولياء وهذا صرف للعبادة عن مستحقها ، وحجتهم الداحضة عند ربهم: أنهم يؤمنون بأن الله الخالق الرازق بيده الضر والنفع ، ولكنهم يتوسلون بالصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ؛ وهذا هو الشرك الأكبر الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ، فترى هؤلاء يصرفون العبادة بأنواعها المختلفة من ذبح ، ونذر ، وخوف ، ورغبة ... وغير ذلك من أصناف العبادة إلى غير الله عز وجل، وهذا من أشد مظاهر الانحراف في العبادة ؛ لأنه شرك أكبر يضاد الإخلاص لله عز وجل، الذي هو شرط من شروط كلمة التوحيد وقبول العبادة .. ومحل الكلام عن هذا الشرك وأنواعه مبسوط في كتب التوحيد والعقائد [4] .
أما ترك الشرط الثاني لصحة العبادة (وهو المتابعة) فينتج عنه انحرافات كثيرة في العبادة وتطبيقاتها ، حيث ظهرت ألوان وصور من العبادات التي لم يأذن بها الله عز وجل، ولم يشرعها الرسول لأمته ، وبخاصة بين المتصوفة الذين يعطون لمشائخهم حق التشريع ، وبعتبرون أقوالهم وأفعالهم مصدرًا من مصادر الاستدلال ، فظهرت بذلك هيئات وصور متعددة للعبادة والأوراد والأذكار ، كلها مبتدعة ، سواء أكان ذلك في كيفيتها ، أو كمها ، أو هيئتها ، أو طريقة أدائها ، أو زمانها ، أو مكانها ، وهذه كلها مردودة على أصحابها ، لأنها تشريع لم يأذن به الله ، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يًَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الشورى: 21] ، ولقوله: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) [5] .
2-الانحراف في مفهوم العبادة:
وهو النظر إلى العبادة على أنها أداء للشعائر التعبدية من: صلاة ، وصيام ، وحج ، وذبح ، وقراءة قرآن .. فحسب ، وأن ما سوى ذلك من معاملات ، وأخلاقيات ، ومباحات .. وغيرها ، كل ذلك لايدخل في العبادة .
نعم إن هذا المفهوم هو السائد عند بعض المسلمين ، سواء أقالوه بلسان مقالهم أم بلسان حالهم وأعمالهم ، ولا أدل على ذلك من أننا قد نجد ذاك العبد المصلي ، الصائم ، القارئ للقرآن ، بعد فراغه من هذه الشعائر التعبدية لا يتورع أن يغشّ ، أو يرابي ، أو يظلم ، أو يملأ بيته من آلات اللهو ووسائل الإفساد ما الله به عليم ، وكذلك قد نرى المرأة المصلية الصائمة لا تتورع عن التصرف في نفسها بما يخالف الشرع ، من سفور ، أو زينة محرمة ، أو اختلاط .. أو غيره . وإذا نصح مثل هؤلاء الناس ، قالوا: إنهم من المصلين العابدين ، وقد انتهى وقت العبادة ! وهكذا تنحرف الغايات ، وتنشأ اللوثات، وتفسد النيات ، وذلك كمن يفصل أمر تعليمه وتعليم أولاده عن غاية العبادة لله عزوجل، ويربط ذلك بالشهادة والمال والوظيفة ، بل يستخدم أي وسيلة توصله إلى ذلك .
إن العبادة بهذا المفهوم المنحرف تجعل المسلم في انفصال وانفصام بين حياته في مسجده وخارج مسجده ، لأنه لو كان مفهوم العبادة التي يريدها الله عز وجل كما فهمها هذا الصنف من الناس لكانت عبثًا ، ولبقي أكثر الأوقات غير معمور بعبادة الله عز وجل ، وهذا لا يرضاه الباري جل وعلا ؛ ذلك لأن أوقات الصلوات لا تتعدى