الصفحة 1154 من 35630

ساعتين أو ثلاث في اليوم والليلة ، فماذا يكون شأن الساعات الباقية ؟ هل تنفق في غير عبادة ؟ ! كلا .. فإن الله سبحانه لا يرضى لعباده هذه الحال .

إذن: فالواجب على كل مسلم أن يعلم أنه ما خلق إلا للعبادة ، وأن وقته يجب أن يكون في عبادة سواء ما كان منه في الشعائر التعبدية ، أو ما كان منه في المعاملات ، أو ما كان منه في المباحات ، كل ذلك يجب أن يمارسه العبد وشعور العبادة لله عز وجل يصاحبه ، فيراقب ربه في كل أعماله ، وينوي بها التقرب إليه عز وجل والاستعانة بها على طاعته .

إن هذا الشعور وهذه النية تجعل العبد في كل أعماله حتى في مباحاته ولذاته عبدًا لله ، مسلمًا وجهه لربه عز وجل [6] ،

( قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ) [الأنعام: 162 ، 163] .

3-الانحراف في التطبيق:

وقد ترتب على ذلك الانحراف في مفهوم العبادة انحراف آخر في تطبيق العبادة ، فحتى الشعائر التعبدية التي حُصرت العبادة فيها بحسب ، هي الأخرى نالها ما نالها من الضعف والميل بها عن حقيقتها وغايتها ، وهذه نتيجة متوقعة وبدهية معروفة ؛ فالانحراف في الفهم لابد أن ينتج عنهانحراف في التطبيق ، ويوضح الأستاذ محمد قطب هذا الانحراف ، فيقول: ( حين صار المطلوب كله هو أداء الشعيرة ، وانحصرت(العبادة) كلها في هذا الأمر ، كان حريًّا بهذا اللون من العبادة أن ينحسر أكثر فأكثر ، حتى يصبح المطلوب هو أداء الشعيرة بأي صورة كانت .. ولو كان أداءً آليا بغير روح ، أو أداء تقليديًّا يحركه الحرص على التقاليد أكثر مما يحركه الدافع إلى عبادة الله . وتلك هي الصورة التي انتهت إليها العبادة في الجيل الذي شهد الانهيار) .

4-الانحراف في مصدر التلقي:

ترتب على الانحراف السابق في مفهوم العبادة انحراف أشد خطرًا وأسوأ أثرًا ، حيث كان الانحراف السابق ذكره منحصرًا على مستوى الفرد ، بينما هذا الانحراف الذي نحن بصدده يتمثل في النظم التي تحكم في أكثر بلدان المسلمين اليوم ، والتي يسعى أربابها إلى عزل الدين عن الحياة وتوجيهها وتنظيمها ، وحصره بين جدران المسجد وأداء الشعائر التعبدية ، ولسان مقالهم أو حالهم يردد تلك المقولة الجاهلية ، والتي قالها أصحاب مدين لنبيهم شعيب (عليه الصلاة والسلام) ويقولها العلمانيون في زماننا: ما للدين وحجاب المرأة وعملها ؟ ما للدين والسياسة وموالاة الكفار ومحبتهم ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين والإعلام والتعليم ؟ ... !! إلخ، الدين:أن تعبد الله في المسجد ، وتقرأ القرآن ، وتذكر الله ... هكذا يزعمون ! ! أما الحياة فلها نظمها التي تتناسب مع تطورها .. إلى آخر هذا الهذيان والانحراف والفجور .

إن هذا الفهم الأعوج هو ما قاله أهل مدين لنبيهم شعيب بعد أن دعاهم إلى التوحيد وترك البخس والنقص في المكيال والميزان ، قال الله عز وجل: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تًَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إنَّكَ لأَنتَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت