فهرس الكتاب
... يقول الشيخ عبد الحميد البلالي:
ابنتي عبلة،
زادك الله حرصًا على تعلُّم دينك، لقد سألت عن خمس مسائل، كلِّ واحدةٍ منها تحتاج إلى مجلَّدات، ولذلك فسوف أركِّز في إجابتي على أهمِّ هذه الأسئلة، ألا وهو سؤالك عن التقوى وشروطها، حيث إنَّ الآية المشهورة في سورة الطلاق تحتوي على قاعدةٍ إيمانيَّةٍ كبيرة، إنَّها قاعدةٌ ربَّانيَّةٌ لا تخطئ أبدا، فإذا ما تحقَّق شرطها الأوَّل تحقَّق الثاني دون إبطاء، حيث يقول الحقُّ فيها:"ومن يتَّقِ الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب".
ما التقوى؟
التقوى هي الحماية، والحماية إمَّا أن تكون من الأخطار الخارجيَّة أو الداخليَّة، والأخطار كثيرةٌ ومتنوِّعة، وأشدُّها خطرًا تلك التي تمنع الإنسان من دخول الجنَّة، وتكون سببًا لدخوله النار، وأَولى أجزاء الإنسان بالحماية هو قلبه، حيث إنَّه إذا صلح وسلم من الأخطار صلح وسلم سائر الجسد، حيث يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب"متَّفقٌ عليه.
يقول حجَّة الإسلام الغزالي:"العبادة شطران، اكتساب: وهو فعل الطاعات، واجتناب: وهو تجنُّب السيِّئات، وهو التقوى، وشطر الاجتناب أصلح وأفضل وأشرف للعبد من الاكتساب، يصومون نهارهم ويقومون ليلهم، واشتغل المنتبهون أولو البصائر بالاجتناب، إنَّما همَّتهم حفظ القلوب عن الميل لغيره تعالى، والبطون عن الفضول، والألسنة عن اللغو، والأعين عن النظر إلى ما لا يعنيهم".
مراتب التقوى:
وحماية القلب والجوارح له ثلاث درجات، أو ما يطلق عليه الإمام ابن القيِّم بمراتب التقوى الثلاث، حيث يقول:"التقوى ثلاث مراتب:"
إحداها: حمية القلب والجوارح من الآثام والمحرَّمات.
الثانية: حميتها عن المكروهات.
الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.
فالأولى: تعطي العبد حياته، والثانية تفيد صحَّته وقوَّته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته"."
الخطر الأكبر:
ومن حمى نفسه من هذه الأخطار، فقد حمى نفسه من الخطر الأكبر، وهو النار التي أمر الله تعالى في كتابه الكريم المؤمنين بالحماية من شرِّها حيث قال:"يا أيُّها الذين أمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وَقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون".
وكذلك نتَّقي هذا الخطر الأكبر بالعمل الصالح، فهو السبب الرئيسيّ -بعد رحمة الله، وحماية القلب والجوارح من المعصية- في دخول الجنَّة، والابتعاد عن النار، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرة"رواه البخاري، ويقول