الصفحة 1172 من 35630

تحري الأدلة، الدائرين في حالتي الصواب والخطأ، بين مضاعفةِ الأجر مع الشكر، وبين الأجرِ الواحد مع العذر، وبين من يتتبعُ الزلات، ويتحكمُ بالتشهي، ويرجِّحُ بالهوى، لأنَّ وراء الأكمةِ ما وراءها، فيُؤولُ حالهُ إلى الفسق ورقة الدين، ونقص العبودية وضعف الاستسلام، لشرع الله عز وجل.

وهُناك فرقٌ بين تلك الفتاوى المحلولة العقال، المبنيةِ على التجرئ لا على التحري، والتي يصدرها قومٌ لا خلاق لهم من الصحفيين، ومن أسموهم المفكرين، تعجُّ منهم الحقوقُ إلى الله عجيبًا، وتضجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا، يفرقون من تغطية الوجه لا لأنَّ البحث العلمي المجرد أدَّاهم إلى أنه مكروه، أو جائز، أو بدعة كما يرجفون ، ولكن لأنَّهُ يشمئزُّ منه متبوعيهم من كفار الشرق والغرب، فا للهمَّ باعد بين نسائنا وبناتنا وأخواتنا وبينهم كما باعدت بين المشرق والمغرب )) [2] .

ولك أن تُقدر شدَّة مكرِ القوم الذين يريدون من جانبهم أن يتبعوا التمدن الغربي، ثم يبررون فعلهم هذا بقواعد النظام الإسلامي الاجتماعي.

ولقد أُوتيت المرأة من الرخصة في النظام الإسلامي أن تبدي وجهها وكفيها، وما دعت إليه الحاجة أو الضرورة في بعض الأحوال، وأن تخرج من بيتها لحاجتها، ولكن هؤلاءِ يجعلون هذا نقطة البدء، وبداية المسير، ويتمادون إلى أن يخلعوا عن أنفسهم ثوب الحياء والاحتشام، فلا يقفُ الأمرُ بإناثهم عند إبداء الوجه والكفين، بل يجاوزه إلى تعريةِ الشعر والذراع والنحر، إلى آخر هذه الهيئات القبيحة المعروفة، وهي الهيأة التي لا تخصُّ بها المرأة الأزواج والأخوات والمحارم فقط، بل يخرجن بكلِّ تبرجٍ من بيوتهن، ويمشين في الأسواق، ويخالطن الرجال في الجامعات ، ويأتين الفنادق والمسارح، ويتبسطن مع الرجال الأجانب.

ثم يأتي القوم فيحملون رخصةَ الإسلام للمرأة، في الخروج من البيت للحاجة، وهي الرخصة المشروطة بالتستر والتعفف، على أنَّها يحل لها أن تغدو وتروح في الطرقات، وتتردد إلى المنتزهات والملاعب والسينما في أبهى زينة، وأفتنها للناظرين، ثم يُتَّخَذُ إذن الإسلام لها في ممارسة أمورٍ غير الشؤون المنزلية ـ ذلك الإذن المقيد المشروط بأحوال خاصة ـ يتخذُ حجةً ودليلًا على أن تودِّع المرأة المسلمة جميع تبعات الحياة المنزلية، وتدخلُ في النشاط السياسي والاقتصادي والعمراني تمامًا، وحذو القُذَّة بالقذة، كما فعلت الإفرنجية.

وها هو ذا المودودي ـ رحمه الله ـ يصرخُ في وجوه هؤلاءِ الأحرار في سياستهم، العبيد في عقليتهم قائلًا: (( ولا ندري أيُّ القرآن أو الحديث يُستخرج منهُ جواز هذا النمط المبتذل من الحياة؟ وإنَّكم ـ يا إخوان التجدد: إن شاءَ أحدكم أن يتبعَ غير سبيل الإسلام فهلا يجترئُ ويصرِّحُ بأنَّهُ يريدُ أن يبغي على الإسلام؟ ويتفلَّت من شرائعه؟ وهلا يربأ بنفسه عن هذا النفاق الذميم والخيانة الوقحة، التي تزيِّن له أن يتبع علنًا ذلك النظام الاجتماعي ، وذلك النمطِ من الحياة الذي يحرِّمه الإسلام شكلًا وموضوعًا، ثم يخطو الخطوةَ الأولى في هذا السبيل، باسم اتباع القرآن، كي ينخدع به الناس ، فيحسبوا أنَّ خطواته التالية موافقةً للقرآن ) ) [3] أهـ.

[1] البخاري في النكاح ( 5096 ) ، مسلم في الذكر ( 2740 ) .

[2] انظر عودة الحجاب 3 / 437 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت