الصفحة 11747 من 35630

ومن حمى نفسه من هذه الأخطار، فقد حمى نفسه من الخطر الأكبر، وهو النار التي أمر الله تعالى في كتابه الكريم المؤمنين بالحماية من شرِّها حيث قال:"يا أيُّها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارًا وَقودها الناس والحجارة عليها ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون".

وكذلك نتَّقي هذا الخطر الأكبر بالعمل الصالح، فهو السبب الرئيسيّ -بعد رحمة الله، وحماية القلب والجوارح من المعصية- في دخول الجنَّة، والابتعاد عن النار، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرة"رواه البخاري، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا"رواه البخاريُّ ومسلم.

صفات المتَّقين:

إنَّ للمتَّقين صفاتٌ كثيرةٌ تحميهم من نار جهنَّم، يجاهدون أنفسهم للاتِّصاف بها طيلة بقائهم في هذه الحياة الدنيا، وتتكامل هذه الصفات، وتزداد عمقًا يومًا بعد يومٍ كلَّما تقرَّبوا إلى ربِّهم، ومن أبرز هذه الصفات:

1-استواء الظاهر مع الباطن:

أو هو الإخلاص في أحد صوره الجميلة، فالمخلص الذي يريد وجه الله لا يفرِّق في ذلك عندما يكون خاليًا أو أمام الناس، حيث يستوي عنده الظاهر والباطن، أمَّا أولئك الذين يتظاهرون بالتقوى أمام الناس، وإذا خلَوا بمحارم الله انتهكوها، فأولئك يفضحهم الله في الدنيا والآخرة، ويسلبهم الله نور الإيمان الذي يظهر جليًّا على وجوه أولئك المخلصين، ويكون أثره كالمغناطيس يجذب القلوب إليهم، بينما يتباعد الناس عن أولئك المتظاهرين، وينادي الإمام ابن القيِّم هذا المتظاهر بالتقوى متعجِّبا:"سبحان الله، ظاهرك متجمِّلٌ بلباس التقوى، وباطنك باطيةٌ لخمر الهوى، فكلَّما طيَّبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك الصادقون، وانحاز إليك الفاسقون" (الباطية هو الإناء الذي تشرب فيه الخمر) .

إنَّهم يتظاهرون بالتقوى ولكنَّ قلوبهم مملوءةٌ بحبِّ غير الله، وقد اتَّخذوا أهواءهم آلهةً من دون الله، وكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح.

2-تقديم العمل على المظاهر:

إنَّهم يعلمون حقَّ العلم بأنَّه ما من آيةٍ في القرآن الكريم ذكرت الإيمان إلا وقرنته بالعمل، ويعلمون بأنَّه لن يُنجِي العلم من غير عمل، ولا المظاهر من غير عمل، فإنَّ الله لا ينظر إلى القلوب، وإذا عمرت القلوب بحبِّ الله دفعها للعمل، وإذا ما عمل الإنسان طفح أثر العمل على الجوارح، وكان إمام التابعين الحسن البصريِّ يؤذيه رؤية ذلك الصنف من الناس الذين يهتمُّون بمظاهرهم على العمل، ويظنُّون أنَّ ذلك من التقوى، فقد رأى يومًا فرقد السنجيَّ وعليه جبَّة صوف، فأخذ بجبَّته ثمَّ قال:"يا بن فرقد -مرَّتين أو ثلاثة- إنَّ التقوى ليست في الكساء، إنَّما التقوى ما وقر في القلب، وصدَّقه العمل والفعل".

3-الاهتمام بتقوية القلب:

إنَّهم يتَّجهون أوَّلًا لتقوية القلوب، فالقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح سائر الجسد، ولا يصلح الظاهر حتى يصلح الباطن، وما أجمل ما كان يقول الواعظ يحيى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت