الصفحة 11871 من 35630

يثيب الله عليها عبده بهذه الصفة الجليلة، ألا وهي تليين القلب وجعله خاضعًا خاشعًا لله تعالى.

5-كما أنَّ من أدوية قسوة القلب أيضًا المداومة على العمل الصالح باختلاف أنواعه وأصنافه، فلا ينقطع العبد عن العمل الصالح قدر استطاعته وحسب قدرته، لأنَّ الاستمرار في العمل الصالح والمداومة عليه تجعل العبد دائم الصلة بربِّه، وعلى علاقةٍ متينةٍ به سبحانه، وهذا ما نفهمه من قول الله عزَّ وجل: (ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقِّ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم) ، فالله عزَّ وجلَّ يُحذِّر المؤمنين من صنيع أهل الكتاب من قبلهم، الذين أعرضوا عن دينهم، وغفلوا عن العمل الصالح، وأقبلوا على الدنيا ومغرياتها وشهواتها، فطال عليهم الأمد.. أي بعدت بينهم وبين دينهم وعبادة ربهم المسافة فقست قلوبهم، فلذلك يأمر سبحانه عباده من أهل الإسلام أن يكونوا دائمًا خاشعين لله عزَّ وجلَّ، مُقبلين على عبادته، متمسِّكين بالعمل الصالح حتى لا تنقطع العلاقة بينهم وبين ربِّهم، وحتى لا يطول عليهم الأمد وينسوا كثيرًا ممَّا أُمِروا به.

6-تعهُّد النفس بالتوبة الدائمة من كلِّ ذنبٍ، فإنَّ الران الذي تصنعه المعاصي على القلب حتى تغلِّفه بسواد المعصية لا يُذيبه إلا سرعة التوبة والأوبة إلى الله عزَّ وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سُقل قلبه، وإن عاد زِيدَ فيها حتى تعلو قلبه، وهو الرَّان الذي ذكر الله(كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) ) رواه الترمذي وقال حسنٌ صحيح، فدوام التوبة الصادقة تجعل القلب في حياة دائمة، ولا تترك فرصةً للران -الذي يُورِث القلب القسوةَ- في أن يتكوَّن.

هذا باختصارٍ شديدٍ -أخي الكريم- المنهج الذي ينبغي أن نسلكه لننعم بالخشوع ولين القلب كما وعد الله عزَّ وجلَّ الصالحين بذلك.

ثمَّ بعد هذا تلجأ إلى الدعاء، وتتضرَّع إلى الله عزَّ وجلَّ أن يُليِّن قلبك، ويجعله خاشعًا لذكره سبحانه، ولاسيَّما أن تُكثر من الدعاء الذي علَّمنا إيَّاه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:(ما أصاب أحدٌ قط همٌّ ولا حزنٌ فقال:

اللهمَّ إنِّي عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرجًا، قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلَّمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها)رواه أحمد وصحَّحه الألباني، فلتُكثِر من هذا الدعاء في مختلف الأحوال، ولاسيَّما في أوقات الاستجابة.. كالسجود، وبين وقت الآذان والإقامة، وفي يوم الجمعة، وهكذا.

ولا شكَّ أنَّك إذا التزمت هذا المنهج فإنَّ الله عزَّ وجلَّ سيُحقِّق لك رغبتك، وينوِّر صدرك، ويلين قلبك، إذا كنت غير واقعٍ في مانعٍ من الموانع التي سبق وأن ذكرناها، فإنَّه سبحانه إذا وعد وفى، وقد قال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سبلنا) .

نسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد والرشد بمنِّه وفضله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت